الهوية الثقافية .. جذر ثابت وأوراق متعددة ومتجددة

الهوية الثقافية .. جذر ثابت وأوراق متعددة ومتجددة

يظهر أن عديدا من بؤر التوتر الملتهبة في مناطق النزاع المتعددة في العالم عائد شقها الأكبر إلى الصراع الثقافي، فقد تأكد لدى الباحثين مع مرور الوقت أن معظم الصراعات التي تحرق نيرانها اليوم خرائط العالم الممزقة، تعود إلى الاختلافات الثقافية بين الجماعات والأمم والشعوب. وتبين بالموازاة مع ذلك أيضا أن المقولات الاقتصادية كثيرا ما فشلت في تفسير المشكلات المعاصرة وفهم منشئها الأصلي، لأن الإنسان كائن ثقافي بالدرجة الأولى، وليس كائنا اقتصاديا كما جرى بذلك القول على ألسنة الكثيرين، وأن الحقوق الثقافية أهم من الحقوق الاقتصادية.
تأصيلا للموضوع نذكر أن بداياته الأولى كانت مع المفكر الألماني يوهان جوتفريد هردر Johann Gottfriend Herder صاحب مقولة "الهوية الثقافية"، وتحديدا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ضمن سياق مناهضة الروح الكونية المصاحبة لعصر الأنوار، وقد ألف الرجل من أجل ذلك كتاب عنونه بـ"فلسفة أخرى للتاريخ" عام 1774 ضدا على فلسفة الأنوار التي أخذت في الانتشار آنئذ.
حفريات البحث في التأصيل تفيد بأن القرن الثامن عشر كان فترة تكون المعنى الحديث للثقافة، إذ كانت تعود أصول الكلمة إلى الجذر اللاتيني "Cultura"، ويرادف، في السياق الفرنسي تحديدا، منذ أواخر القرن الثالث عشر العناية الموكولة بالحقل والماشية أي له دلالة غير التي يحملها اليوم.
ولا بأس من التذكير كذلك بأن مفهوم "النسبية الثقافية" الذي عمل هردر على تأسيسه طوال مساره البحثي، ودافع عنه وبشدة إرنست رينان Ernest Renan في محاضرة ألقاها في جامعة السوربون سنة 1882 موسومة بعنوان استفهامي ثاوي لأكثر من دلالة "ما الأمة؟"، حيث أكد المشترك الإنساني لكن في الآن ذاته دعا إلى حفظ التفرد والتميز، وقال: "قبل الثقافة الفرنسية والثقافة الألمانية والإيطالية هناك الثقافة الإنسانية".
فرض الموضوع نفسه مع إدوار بارنات تايلور Edward Burnett Tylor الذي تعد أعماله مرجعا فيه، واعتبر من أوائل الباحثين الذين قدموا تعريفا لثقافة باعتبارها ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات، وكل القدرات العادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع.
غير أن الموضوع يتجدد اليوم، وبحدة، بعد أن طفا إلى الواجهة حين لم تعد التقية التي يمارسها بتنويع التجليات التي يظهر فيها تجدي نفعا في واقعنا المعاصر، فهذا مارك أوجي Marc Augé يصرخ قائلا: "تشهد مسألة الثقافة، أو بالأحرى مسألة الثقافات، تجددا يجعل منها مسألة راهنية أكثر من أي وقت مضى، سواء على المستوى الفكري أو على المستوى السياسي. إذ لم يكن الحديث في الثقافة أوسع مما هو عليه اليوم؛ بخصوص وسائل الإعلام أو الشباب أو المهاجرين، المدرسة ،...".
نعم، فالواضح اليوم أن الثقافة تعيش في السياق المعاصر مشكلات كبرى، ولا سيما في المجتمعات التي يطغى عليها طابع التعددية الثقافية، حيث تشعر الأقليات بالتهميش والعزلة والدونية والإقصاء والاستبعاد، لأن ثقافتها لا تدرس في المدارس والمعاهد والجامعات، ولا يجري تداولها في الإعلام اليومي والحياة الثقافية العامة. وهو ما يحصل في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، حيث تشعر أعداد كبيرة من النساء واللاتينيين والأمريكيين من أصول آسيوية وإفريقية والأمريكيين الأصليين.. بأن المقررات الدراسية في مختلف أسلاك التعليم تتجاهل خصوصيتهم الثقافية، وتغض الطرف عن تاريخهم، ولا تبالي بلغتهم ورموزهم، الأمر الذي يضعف عند هؤلاء منسوب الإحساس بالهوية الشخصية والاجتماعية والانتماء إلى الوطن.
يحدث هذا داخل البلد الواحد وبين أفراد الدولة الواحدة، ما يجعل انعكاساته المجتمعية غير بادية بجلاء، لكن ما إن يقع بين الثقافات المختلفة حتى يكون صداها أكبر. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بـــ"الطائفية الثقافية" التي تقود حتما إلى مزيد من الحروب والنزاعات داخل حدود الوطن ذاته أو بين دول مختلف، وغالبا ما تتجلى هذه الصراعات بأقنعة متنوعة إلا لباسها الحقيقي أي الصراع الثقافي.
فليست هناك أمة أو ثقافة على استعداد لأن تتخلى عن هويتها الثقافية المكتسبة، وعن رأسمالها الرمزي لقاء امتلاك العلم والتقنية أو غير ذلك من الذرائع التي تؤخذ تحت يافطاتها الحروب الثقافية. لأن التخلي عن الهوية الثقافية المتوارثة أو التنكر لها هو بالنسبة إلى أية أمة من الأمم نوع من الانتحار الحضاري. هذا ما عبر عنه الحكيم الهندي غاندي بقوله: 'لا أريد لبيتي أن يكون محاطا بالأسوار، ولا أن تكون نوافذه مغلقة، بل أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الأمم ولكن لن أسمح لواحدة منها أن تقتلعني من جذوري".
أسئلة مؤرقة تحف الموضوع من جوانبه كافة، وتتناسل وتزداد كثرة وتفرعا بالتناسب مع ازدياد منسوب النزاعات التي تكون أصولها ثقافية، وهو ما انتبه إليه المفكر الألماني دييتر سنغاس Dieter Senghaas، الحائز جائزة بحوث السلم الدولي، قبل نحو العقد والنصف من الزمن حين ألف كتابه، الذي ترجم إلى اللغة العربية قبل سنوات سبع سنوات (2008)، وهو كتاب من الأهمية لنا نحن العرب، بعنوان "الصدام داخل الحضارات: التفاهم بشأن الصراعات الثقافية" الذي يطرح فيه هذا المفكر التقدمي ردا بالغا على هنتنجتون وشيعته فيما ذهب إليه، وفي الوقت ذاته يؤسس لما يسميه فلسفة الحوار التفاعلي بين الثقافات باعتماد على مبدأ مراجعة التاريخ وبالخصوص الغربي.
وفيه خصص الكاتب بابا بأكمله يقدم فيه جولة في عديد من الثقافات والديانات، منافحا عن التعددية الثقافية التي يراها أصلا في تاريخ البشرية، بعنوان معبر عن مجريات واقعنا المعاصر (التعددية والتسييس "تحديات للثقافات"). ختاما، لن نجد تشبيها أبلغ دلالة عن هذا الموضوع من القول إن التعددية الثقافية في مسار البشرية مثلها مثل خيوط بيت العنكبوت، تصمد أمام الريح، الذي يعني التاريخ بالنسبة للثقافة، لكنها لا تصمد أمام يد بشرية خرقاء تنتهك نسيجها المتشابك.

الأكثر قراءة