العرب والقدس .. جلد ذات ثقافي عند كل مأزق إنساني
ما إن تعود للواجهة أحداث سياسية مؤسفة كالحاصل اليوم في شوارع القدس. إلا ويقابلها تفش مضاد في مدن عربية أخرى لإلقاء اللوم ثقافيا على النفس تجاه ما قدم أو حتى ما سيقدم لهذه "القضية". موسم للمزايدات الثقافية العربية يترافق وموسم الدم الذي لا يتوانى الاحتلال عن تصعيده بمباركة من متطرفيه المستوطنين.
مزايدات على الذاكرة والتذكر باستدعاء لأحداث سابقة وتجييش لمشاعر تاريخية تصب جميعها في خانة "العجز". جلد ذات ثقافي لا يتقادم. وتراشق بالمسؤولية والخيانة يتعاظم. قصائد تحكي عن الهزيمة والانكسار. وأخرى عن التخاذل والهوان.
ولعل المفارقة هنا أن اللحظة ذاتها التي يجتمع فيها كثيرون من اليمين واليسار ثقافيا على جلد الذات هي نفسها بل الوحيدة التي يتفقون فيها. أما مرد هذا الاتفاق وسببه فيكمن في نوع واحد من الأدب العربي اليساري الذي يمكن توظيفه في هذه اللحظات. أدب أنتجته أسوأ الفترات العربية وأكثرها ازدواجا. تبعا لوصفة ثقافية تعود في جذورها لثورة 17 أكتوبر السوفياتية. حيث كان الأدب والفنون عموما تجندان لخدمة السياسة الحزبية وقادتها.
وعن هذه الازدواجية التي أنتجت مثل هذا الأدب وأسقطت عليه الكثير. يمكن الإشارة فقط لفترة متناقضة بكل المعايير إذ إن الدعوات الحزبية والسياسية كلها، كانت تصب في "قومية" عربية واحدة، خلاصتها وخلاصها في تحرير القدس (القضية) بحسب معظم الخطب الرنانة. بينما كل الوقائع والجهود الداخلية كانت تشير ذلك الوقت إلى تشكل تدريجي لدول قطرية. آخر ما يمكن تصوره هو أن تستغني عن سيادتها فضلا عن أن تمنح حكمها لغيرها باسم الوحدة وما شاكلها من دعوات لا تزال تزخر بها مروياتنا الأدبية نقلا عن تلك الفترات وأحلامها وشجونها.
"الكثير مشغول باستغلال قضايا الآخر أدبا وثقافة وادعاء بينما حقيقة هو بالكاد يستطيع تدبر أمر مشاكله ونزاعاته الداخلية اليومية سياسيا ومعيشيا".
هذا هو حال الأمس الذي أنتج أدبا نجلد به أنفسنا وهو أيضا حال اليوم الذي ما زلنا نحاسب أنفسنا عليه ولكن باجترار متواصل لثقافة وأدبيات ذلك الزمان. وكأن ساعة الأدب والإبداع - بغض النظر عن كنهه- قد توقفت هي أيضا عند قصائد مطر والنواب وسرديات كنفاني.
اليوم والقدس تشهد الكثير من الطعن والقتل ماديا ومعنويا هناك الكثير من المدن العربية "الضائعة" والكثير من السلطات "الجائعة" التي ما زالت، لهذه اللحظة، توظف هذه المدينة لغاياتها السياسية والحزبية، ليس دوليا فقط بل عربيا وفلسطينيا أيضا. يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "وما القدس والمدن الضائعة/ سوى ناقة تمتطيها البداوة/ إلى السلطة الجائعة/ وما القدس والمدن الضائعة/ سوى منبر للخطابة/ ومستودع للكآبة/.. ولكنها وطني".
نعم. ولكنها أوطاننا ومدننا العربية التي لا نريد لها إلا النماء والخير. ولأهلها الأمن والأمان. فلا نحملها ما لا تحتمل. تماما كما هي شوارع القدس العتيقة. لا يمينية ولا يسارية، مدينة للسلم والسلام. مدينة للتراث الإنساني والأدب والفن، بشموليته وتعايشه وعظمته الجمالية المتعالية دوما على كل تخصيص أو استغلال أو توظيف.