منظمة التجارة العالمية بين يديك (45)
جولات المفاوضات الشاملة لاتفاقية الجات 47 (1948- 1993) (الجزء الرابع)
الجولة الثامنة: جولة أوروجواي (1986- 1993)
انتهت جولة طوكيو عام 1979 بنجاح متواضع غير متوقع، وسط مخاوف بعض الأطراف المتعاقدة من فشل المفاوضات التجارية الشاملة في التوصل إلى اتفاق مرض للجميع. كانت الدول الرابضة خارج اتفاقية الجات 47 تتابع من كثب وباهتمام شديد نتائج هذه الجولات التفاوضية، خاصة أن عدد أعضاء الاتفاقية ارتفع إلى 102 دولة، ثلثيها من الدول النامية والأقل نمواً التي بدأت تحصد مكاسب انضمامها وتجني مزايا اندماجها في نادي الأغنياء Rich men's Club، لما حققته هذه الدول من مكاسب صافية نتيجة زيادة نفاذ صادراتها إلى أسواق الدول المتقدمة، كما أن العديد من المنظمات الدولية وجدت في هذه المنظومة ضالتها المنشودة لما تتناوله اتفاقية الجات 47 من مواضيع متنوعة ومتشعبة تمس بشكل مباشر أو غير مباشر مبادئ وأهداف وأحكام هذه المنظمات التي كانت تعاني الأمرّين من الدول الأعضاء فيها بسبب عدم التزامهم بقرارتها وتماديها في تهميش مبادراتها. ولقد أدى ذلك إلى ترهل السلطة التشريعية لهذه المنظمات وفقدان هيبتها السياسية, وبالتالي تفاقم قضايا العالم المصيرية وتردي العلاقات الدولية، لذا تدافعت هذه المنظمات المحبطة إلى التودد لمنظمة التجارة العالمية World Trade Organization لدى إنشاء هذه المنظومة الفريدة مطلع عام 1995 واستخدام صلاحياتها المتعددة واتفاقياتها الإلزامية لإرغام جميع الدول الأعضاء فيها، وتلك الساعية إلى الانضمام إليها، على تطبيق أحكام المنظمات الدولية الأخـرى مثل منظمة العمل الدولية International Labor Organization والمنظمة الدولية لحماية حقوق الملكية الفكرية World Intellectual Property Rights Organization وغيرها.
بعد عودة الأطراف المتعاقدة من إجازتها الصيفية الطويلة في منتصف أيلول (سبتمبر) من عام 1980، جرت انتخابات المدير العام الجديد لاتفاقية الجات 47 ليفوز بها بجدارة الاقتصادي السويسري المخضـرم آرثر دنكل Arthur Dunkel الذي تسلم عمله مديراً عاماً للاتفاقية في أول تشرين الأول (أكتوبر) 1980 خلفـاً لمواطنه الدبلوماسي الأكاديمي أوليفيه لونج Olivier Long. ولد آرثر دنكل من أبوين سويسريين في مدينة لشبونة Lisbon عاصمة البرتغال حيث عاش الفترة الأولى من حياته، التحق لدى عودته إلى سويسرا بجامعة لوزان Lausanne ليحصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد. اشتهر آرثر دنكل، الذي كان يتقن اللغات: الإنجليزية, الفرنسية, الألمانية, والبرتغالية، بحنكته ودهائه ولطف معشره, إضافة إلى قدراته الفنية الفائقة في شؤون وشجون التجارة الدولية التي أسهمت بجدارة في تحقيق أهدافه وغاياته من خلال نظرته الثاقبة وقوة شخصيته. لدى تقلده منصبه الجديد مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 1980 اتخذ آرثر دنكل قراراً حاسماً يهدف إلى دعم وتشجيع الدول النامية وتلك الأقل نمواً في الحصول على حقوقها ضمن مبدأ التكافؤ بين الحقوق والواجبات الذي تنادي به اتفاقية الجات 47 منذ إنشائها في الأول من كانون الثاني (يناير) 1948.
بدأت أعمال الجولة الثامنة للمفاوضات الشاملة المعروفة باسم جولة أوروجواي Uruguay Round في مدينة بونتا ديليستي Punta del Este عاصمة أوروجواي في 25 أيلول (سبتمبر) 1986 واستمرت في أعمالها لأكثر من سبع سنوات، شهدت الأطراف المتعاقدة خلالها عدة مراحل انتقالية شائكة. انتقلت أعمالها ومفاوضاتها إلى مدينة مونتريال Montreal في كندا في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) 1988، ثم جنيف Geneva في نيسان (أبريل) 1989 وبروكسيل Brussels عاصمة الاتحاد الأوروبي في كانون الأول (ديسمبر) 1990 وعادت إلى جنيف في كانون الأول (ديسمبر) 1990 ثم واشنطن Washington D.C. في عام 1992 ومن ثم طوكيو Tokyo في تموز (يوليو) 1993 وانتهت في مدينة جنيف Geneva منتصف كانون الأول (ديسمبر) 1993 ليتم التوقيع على نتائجها في مدينة مراكش Marrakech في المغرب في 15 نيسان (أبريل) 1994.
كان عقد الثمانينيات متميزاً باهتزاز ميزان المدفوعات في كثير من الدول الصناعية، حيث وصل عجز ميزان المدفوعات الأمريكي إلى تريليون دولار، (64 في المائة) منه تجاه اليابان وألمانيا الغربية. كما تفاقمت حدة الخلافات بين الأطراف المتعاقدة بسبب تقاعس الدول الغنية في التخلي عن السياسات المشوهة للتجارة مثـل الدعم الزراعي المحلي ودعم الصادرات، ما أدى إلى زيادة تصميم الدول المستوردة للغذاء على عدم فتح أسواقها بشكل أوسع للصادرات الزراعية خوفاً من إغراقها بالمنتجات المدعومة، ولقد أجمع المراقبون فعلاً على أن فشل اتفاقية الجات 47 في معالجة قضايا التجارة في قطاع السلع الزراعية جاء ضد مصالح الدول النامية، لأن الدول المتقدمة بالغت في تقديم الدعم المتزايد للمنتجين الزراعيين لديها، الذين يمثلون قوة لها تأثيرها في الانتخابات السياسية، بلغ في عام 1994 نحو 300 مليار دولار سنوياً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، استحوذ الاتحاد الأوروبي على 45 في المائة من قيمتها، واليابان 23 في المائة، والولايات المتحدة 21 في المائة، ما أدى إلى تشويه التجارة الزراعية العالمية.
تباعدت مواقف الدول وتباينت وجهات النظر بين الأطراف كافة عند بدء هذه الجولة من المفاوضات حيث فاقت عدد صفحات الوثائق المعروضة على جدول أعمالها أكثر من 200 ألف صفحة تحتوي على مواقف الدول المتباينة، ما أدى إلى ترسيخ الاعتقاد السائد بين جميع دول العالم أن فشل اتفاقية الجات 47 أصبح وشيكاً، الا أن آرثر دنكل استخدم قدراته الفنية وحنكته الفائقة لإنهاء الجدل الحاد بين مختلف الأطراف عن طريق اختزال هذا الكم الهائل من الصفحات إلى وثيقة واحدة لا تزيد عدد صفحاتها على 500 صفحة تحتوي على 28 اتفاقية محددة. فاجأ آرثر دنكل وفود الأطراف المتعاقدة المجتمعة في جنيف قبل أعياد الميلاد في كانون الأول (ديسمبر) 1991م بتقديم وثيقته المختزلة رسمياً، على أنها المشروع الوحيد للاتفاق النهائي الذي لا بديل له. كانت هذه الخطوة الجريئة تهدف إلى إرغام وفود الدول المتناحرة على اعتماد المشروع المقترح والتوقيع عليه قبل تمتعهم بإجازاتهم الطويلة، كان التاريخ شاهداً على هذه المبادرة التي عدها المؤرخون نقطة التحول الرئيسية في هذه الجولة من المفاوضات الشاقة وأطلق على هذه الوثيقة التاريخية اسم مشروع دنكل Dunkel Draft تقديراً لمبتكرها.
لاقى مشروع دنكل Dunkel Draft صدى إيجابياً واسعاً في أوساط دول الجنوب ومجموعة الدول الفقيرة التي كانت تطلق التكهنات والشائعات بقرب فشل هذا النظام التجاري الجديد، خاصة أن الاتفاقية كانت مشرفة على الانهيار بسبب الخلافات المستعرة بين الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية من جهة وبين الجانب الأمريكي واليابان من جهة أخرى. إلا أن مشروع دنكل تصدى لهذه المشكلات والخلافات وأسهم في تشكيل 15 مجموعة عمل من الأطراف المتعاقدة لدراسة إيجاد الحلول المناسبة لأوجه الاختلاف بين الأطراف كافة تحقيقاً للأهداف التالية:
أولاً: زيادة تحرير التجارة وتوسيع قاعدتها.
ثانياً: تعزيز وتطوير النظام التجاري متعدد الأطراف.
ثالثاً: تفعيل دور اتفاقية الجات في تحسين البيئة الاقتصادية العالمية.
رابعاً: تطبيق مبدأ التوقف الفوري Standstill عند الحدود القائمة من السياسات المشوهة للتجارة التي تمارسها الدول وعدم التمادي في انتهاجها أو تطويرها مع تشجيع خطوات هذه الدول الرامية إلى التراجع Rollback في الحد من أو إلغاء هذه السياسات.
من هذا المنطلق سعت الأطراف المتعاقدة Contracting Parties خلال جولة أوروجواي إلى تحديد الأطر التفاوضية اللازمة لإنهاء المفاوضات بما يتفق مع تطلعات الشعوب المتعطشة إلى توفير الحلول للقضايا المصيرية المطروحة على جدول أعمال هذه الجولة من المفاوضات الشاملة. وتدارست هذه الأطراف ملف قضاياها المصيرية الشائكة وأيقنت أن أهداف بلادها، التي تنحصر في توفير فرص التكافؤ بين الحقوق والواجبات، لا تتعارض مع مصالح شعوبها الحيوية أو مكتسباتها الأساسية. أصبحت هذه الدول تنادي شركاءها التجاريين بتقديم المزيد من الالتزامات. كان اعتقادها السائد أن نجاح مساعيها في التوصل إلى اتفاق مرض لجميع الأطراف غدا مرهون بقدراتها الذاتية على إيجاد الحلول الجذرية والخلاقة لخلافاتها المستعرة بهدف درء دمار الحروب الساخنة والباردة معاً. بينما كان تشاؤمها، النابع من إخفاق أحكام اتفاقية الجات47 الركيكة في تنظيم شؤون تجارتها العالمية، يقلق مضاجعها ويحبط عزائمها، لما قد يسببه فشلها الذريع من تفكك رابطها الوحيد وتنظيمها الفريد الذي سعت إلى تطويره خلال أربعة عقود من الزمن، لذا وجدت هذه الدول ضالتها الوحيدة في مشروع دنكل لتعيد صياغة اتفاقاتها وتطوير أحكامها وتحديث نصوصها.