الشاي قصة حضارة ونمط تفكير .. نظرات جمالية وسجالات فقهية

الشاي قصة حضارة ونمط تفكير .. نظرات جمالية وسجالات فقهية
الشاي قصة حضارة ونمط تفكير .. نظرات جمالية وسجالات فقهية
الشاي قصة حضارة ونمط تفكير .. نظرات جمالية وسجالات فقهية
الشاي قصة حضارة ونمط تفكير .. نظرات جمالية وسجالات فقهية
الشاي قصة حضارة ونمط تفكير .. نظرات جمالية وسجالات فقهية

بعد الحديث عن القهوة يأتي الدور اليوم على الشاي، الذي قال عنه "أوكاكورا كاكوزا (Okakura Kakuzoa 1913 - 1862) في مؤلفه "كتاب الشاي" 1906 (The book of tea) حيث يقدم - وانطلاقا من الشاي- قصة حضارة ونمط تفكير، ونظرات جمالية ما زالت حية وصالحة لأن تكون موضع نقاش، وإن بأساليب مختلفة، في العلاقة بالآخر؛ وتحديدا هنا الغرب، نقاش ينطلق من الذات إلى الآخر، ثم يمضي في الاتجاه المعاكس.

###سحر خفي

قال أوكاكورا "ينطوي الشاي على سحر خفي يجعله لا يقاوَم، ويمنحه القدرة على إسباغ الإحساس بالمثالية، فالشاي ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وغرور القهوة، وعن البراءة المتكلفة في نبتة الكاكاو".

عودا إلى التاريخ نجد أنه من الصعب جدا تحديد متى تم تخمير الشاي لأول مرة، ولكن إحدى الأساطير تزعم أن الإمبراطور الصيني شين نانج كان جالسا بين أشجار الشاي، المعروف علميا باسم كاميليا سينينسيس Camelllia sinensis، ذات مرة نحو عام 2730 قبل الميلاد، وفيما كان خادمه يقوم بغلي الماء في قدر، سقطت بضعة وريقات منه في الماء المغلي مصادفة بعد أن حركتها الرياح، وهكذا تم إعداد أول كوب شاي في التاريخ.
وظهرت طريقة تدعى Chanoyu أي "طريق الشاي" من أبرز زعمائها الفيلسوف هونسياي صن الذي يرى الشاي نمط حياة وممارَسة تسعى إلى الإشباع الروحي. تقوم هذه المدرسة على فكرة أننا لا نستطيع الوصول إلى السلام الداخلي من دون بذل جهد واع؛ لكي نحرر أنفسنا من هموم ومشاغل الدنيا، فرصة توفرها الشانويو لمريديها، فهم يمضون أبعد من الارتباطات اليومية، إلى جذور كينونتنا الإنسانية.

###إمتاع الروح

حرص معلمو الشاي على الوصول إلى أقصى مباهج السعادة والإمتاع الروحي من خلال الاهتمام بعنصر الجمال فيما يخص كل الطقوس المرتبطة بشرب الشاي، بداية من حجرة الشاي وعمارتها، ومرورا بالاهتمام بانتقاء الزهور المصاحبة لطقس شرب الشاي، وانتهاء باختيار الأدوات المستخدمة في شرب الشاي؛ مثل اختيار أكواب وكؤوس الشاي.

وتفيد بعض المصادر التاريخية أن نطاق استخدام الشاي اتسع خلال حكم سلالة هان الصينية (206 - 220 ميلادية)، وهو ما تشهد عليه التحف الفنية من معدات وأواني الشاي الباقية من تلك الحقبة. بحلول نهاية القرن الثالث الميلادي، أصبح الشاي المشروب الأول في الصين، وبعد ذلك بخمسة قرون صارت الصين تتاجر بالشاي على طريق الحرير مع التيبت والبلدان العربية، والأتراك (سكان أواسط آسيا)، وقبائل الرحل في الهيمالايا والهند.
#2#
تنتشر في العالم اليوم خمسة أنواع رئيسية للشاي يأتي في مقدمتها الشاي الأخضر، الشاي الأسود، الشاي الألونج Olong، الشاي الأبيض وشاي أيرل جري Earl Grey. تأتي في مقدمة الدول المنتجة للشاي الصين والهند وكينيا وتركيا وسريلانكا وإندونيسيا، ويبلغ معدل الاستهلاك العالمي ما يفوق 24.5 مليار كوب شاي أسبوعيا.

من أبرز الوقائع التاريخية الحديثة المرتبطة بالشاي، حادثة الزيادة في الضرائب على منتوجه في أمريكا، ما أدى إلى مصادمات تولد عنها إلقاء حاويات الشاي في ميناء بوسطن من قبل العامة، وتلك الأحداث انتهَت بإعلان الاستقلال الأمريكي عن بريطانيا عام 1776م.

وصل الشاي لأول مرّة إلى أوروبا في القرن السادس عشر، غير أن أوراقه الرقيقة غالبا ما كانت تتضرر جراء الرحلة الطويلة من الصين إلى القارة الأوروبية، ما اضطر منتجيه الباحثين عن الربح إلى اتباع منهجيات أكثر تعقيدا في الإنتاج والتعليب والنقل. وفي عام 1610 حملت سفن تابعة للشركة الهولندية لشرق الهند أولى شحنات الشاي إلى أوروبا، وقد بات الشاي معروفا في فرنسا منذ عام 1636، ووصل إلى روسيا بعد ذلك بسنتين، وإلى إنجلترا عام 1650.
#3#
###شراب "ذهبي"

أما عند العرب فلا توجد دلائل على أنهم عرفوا الشاي فيما قبل الإسلام ولا حتى في صدر الإسلام. ويقدر بعض المؤرخين أن الشاي لم يُعرف في الوطن العربي حتى القرن العاشر للميلاد، حين ورد ذكره لدى البيروني في كتب رحلاته، "بأن الصينيين كانوا يشربون شرابا ذهبيا يسمى الشاي"، واستعمل أول الأمر للتداوي.

والثابت لدى المؤرخين، حسبما أورده عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن الخصاصي في كتابهما "من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ" (1999)، أن العرب عرفوا الشاي بشكل رئيسي في القرن التاسع عشر، وهي ذات الفترة التي انتشر فيها في بلاد الأناضول وتركيا. أما مصر فدخلها مع الاستعمار البريطاني عام 1882.

ويذهب عبد الحق المريني في كتيبه "الشاي في الأدب المغربي" (1999) إلى أن الشاي أو الأتاي اشتهر في المغرب أواخر القرن 18، بعد أن قدّم مبعوثون أوروبيون الهدايا للسلطان مولاي إسماعيل تمهيدا لإطلاق سراح أسراهم، وكانت من بينها أكياس شاي وسكر.
#4#
في بدايات انتشاره في العالم العربي كان الشاي مشروبا نخبويا؛ يقتصر تداوله وشربه في أوساط الدوائر العليا للسلطان وحاشيته والعائلات الأرستقراطية، ولم يتحول إلى مشروب شعبي إلا أواسط القرن التاسع عشر. وغني عن البيان أن كل قطر عربي يمتاز بطريقة خاصة في تحضيره الشاي بل ونجد الفوارق بين مناطق ذات البلد، فلدى أمازيغ جنوب المغرب مثلا عادات وطقوس مميزة لإعداد هذا المشروب، أما في الصحراء فالأتاي علم قائم الذات بشروط وأركان لا يشرع في تحضيره إلا بانعقادها.

###سجال فقهي

عرف الأتاي كغيره من محدثات العصر سجالا فقهيا، ما بين التحليل والتحريم، وكثرت النوازل الفقهية والقصائد الشعرية فيه وعنه، منها أبيات للشاعر محمد الحسن ولد الإمام الذي يقول:

إذا أقبل الساقي ويمم مجمعا
وأحضر آلات اللذائذ أجمعا
وهاجت له اللذات يركضن في الحشا
وسللن عقل الشهم فانسل مسرعا
تداركت عقلي قبل ما جمحت به
بنات الهوى ستا وخمسا وأربعا
وأثرت في نفسي عليها مروءتي
وديني ولم أوثر أتايا منعنعا
واعلم حقا أن وقتا شغلته به
كان غيا أو زمانا مضيعا
ومن اتبع النفس الهوى في شرابه
دعاه إلى الآثام ذلك فاندعا
وزين في الدنيا له سوء فعله
ولا سيما إن كان أشيب أصلعا.

ورد عليه محمد بن الشيخ سيدي، دفاعا عن الأتاي مبرزا فوائده الروحية والبدنية قائلا:

دع الإكثار من قالٍ وقيل
كفاك اللوم بالكلم القليل
أقلني إن عثرت على عثاري
فخير الصحب كل فتى مقيل
وإلا تزدجر عما عليه جبلت
من التهور والصهيل
فإني لست منك ولست مني
وليس رعيل خيلك من رعيل
ولست إلى لقاء الله مني
بمنزلة الرفيق ولا الزميل
ولا تك في الحساب غدا حسيبي
ولم تك لي بمولى أو وكيل
تلوم أن تعاطينا كؤوسا
تذكرنا كؤوس السلسبيل
تحاول أن تحرمها علينا
متى احتاج النهار إلى دليل
أصول الحل عدوها فعدوا
نبات الأرض من تلك الأصول
وقبلك ملَّ فيها القول قوم
فما أغنوا بذلك من فتيل
وليس اللوم اليوم فيها إلا
أحاديث تعد من الفضول
وإن لها فوائد واضحات
يراها كل ذي نظر أصيل.
#5#
ويبقى أطرف ما قرأته عن الموضوع، طرفة تحكي أن أحدهم قال متذمرا "علي شراء الزيت في كل جمعة، ولولاه ما قلّت لدي الدراهم"، فرد عليه فقيه سوسي قائلا "لو كنت في عصر الأتاي وذقته لبعت بطيب النفس منك الدراهم".

الأكثر قراءة