الاكتتابات الأخيرة تكشف حقائق جديدة حول السوق
تمر السوق السعودية خلال فترتها الحالية بمفترق طرق ونقف نوعا ما كمتفرجين لها وهي نقطة قد تكون لها إفرازاتها المستقبلية. وبغض النظر عن النتائج المتوقعة تعتبر المرحلة الحالية مهمة في إرساء قواعد السوق وفي تطلعات المستثمرين والمتعاملين في السوق ومن ضمن هذه القواعد عمق السوق وسيولتها التي تعد الفيصل في بناء مستقبل الاقتصاد السعودي.
حاليا شهدت السوق السعودية أكبر كمية طرح للشركات وخلال فترة قياسية تمثلت في طرح عشر شركات تأمين وشركة بتروكيماويات وشركة تطوير عمراني. ودار الحديث حينها حول أن تأثير طرح الاكتتابات عادة ما ينعكس سلبا على السوق وعلى المؤشر. وبغض النظر عن تأثير ذلك في المؤشر من عدمه هناك عدد من الأبعاد تم إفرازها في الاكتتابات الأخيرة، وبالتالي هناك أبعاد يجب أن ننظر لها بتمعن ويمكن أن تعكس لنا خصائص السوق السعودية. ومن الخصائص التي نهتم باستطلاعها جاذبية الشركات من قبل المستثمرين ومدى توافر نوع من الحساسية تجاه نوعية الاستثمار ومدى توافر نوع من التركيز الزائد من خلال تغطية الاكتتاب بصورة تعكس تعطشا قويا أو تعكس انعدام الرغبة. المستقبل يحمل الكثير من الفرص والسوق بدأت في التوسع وارتفاع عدد الشركات فيها ويحمل المستقبل الكثير من الشركات التي ترغب في الدخول في السوق وهناك مستثمرون حاليون قلقون على استثماراتهم الحالية من تأثرها بكثرة الطرح. وفي خضم التفاوت الذي تعيشه السوق وقلة السيولة الداخلة تعتبر زيادة عدد الشركات قضية مهمة وحيوية لتعميق السوق وتوجيه التفكير نحو الاستثمار، ولكن يبقى توفير السيولة قضية لم تحسم بعد من قبل هيئة السوق وتحديد من سيقوم بها مستقبلا حتى لا يؤدي تدهور السيولة إلى التأثير السلبي في جاذبية السوق السعودية. ولعل ما يميز هذه المجموعة من الاكتتابات التي تمت في السوق السعودية أخيراً هو أنها تمت بالقيمة الاسمية ولشركات حديثة التكوين فيما عدا شركة الأنابيب الفخارية. وبالتالي لم يتحمل المستثمر أي تكاليف سوى ما تحمله المؤسسون ولم تكن هناك علاوة إصدار سوى ما تم في الفخارية ما يجعل المجموعة الأخيرة أكثر استهدافا من قبل المستثمرين والراغبين في تحقيق الربحية من الاكتتاب. ولكن ما حدث في اكتتاب "كيان" وتداولها كان بحق مؤشرا مهما لتغيرات جذرية مؤثرة في السوق السعودية وفي استراتيجيات الطرح المستقبلي وأن خيارات المستثمر السعودي محددة فيما يخص أسلوب الطرح والتعامل.
متوسط وإجمالي الاكتتابات:
بلغ إجمالي رؤوس أموال الشركات التي دخلت في الاكتتابات الأخيرة ثلاثة وعشرين مليارا ومائة وأربعة وثمانين مليون ريال وبالتالي كان متوسط الطرح 1783.4 مليون ريال وهو رقم لا يعكس لنا أن هناك أكثر من عشر شركات رأسمالها أقل من المليار ريال ولكن وجود "كيان" و"جبل عمر" أدى إلى رفع المتوسط. وبلغ حجم الأموال التي جمعت في الاكتتابات 20.726 ريال معظمها تم جمعه من "كيان" و"جبل عمر" ولم تجمع الشركات الباقية سوى أقل من ثلاثة مليارات ريال وكان بالتالي متوسط الاكتتابات 1.594 مليار ريال ونفس التأثير "كيان" و"جبل عمر". وكان عدد الأسهم المطروحة 930.15 مليون سهم وبالتالي بلغ المتوسط 71.55 مليون سهم وهنا المتوسط انحاز تجاه "كيان" و"جبل عمر" وفائض الاكتتاب بلغ نصف المبالغ مما يعني أن التغطية بلغت الضعف وكذلك المتوسط. مما يجعلنا نسأل: هل الاكتتاب في الشركات الصغيرة غير جذاب ومقنع للمستثمر السعودي؟ فالشركات الصغيرة كانت شركات تأمين بنوعيه الشرعي وغير الشرعي وشركة صناعية في حين كان الاكتتاب الكبير في شركتين صناعية وتطوير عمراني. ولماذا لم يصل الاكتتاب في أي من الشركات الصغيرة المليار ريال في حين تجاوز ذلك بمراحل في الشركات الكبيرة؟ هل النظرة في إمكانية الحصول على عدد أسهم أكبر وهو حقيقة رأيناها في "جبل عمر" و" كيان" في حين بلغ المخصص في الشركات الصغيرة خمسة عشر سهماً وأقل وهو حقيقة مهمة ومؤثرة في السوق ونظرة المستثمر.
الشركات الصغيرة:
راوحت رؤوس أموال مجموعة الشركات الصغيرة بين 100 و220 مليون ريال ونجد أن معظمها يعمل في مجال التأمين مع وجود شركة صناعية واحدة. الملاحظ أن كل الشركات تعتبر حديثة التكوين وستقوم بشراء محافظها التأمينية في فترات لاحقة سوى الشركة الصناعية التي تقاضت علاوة إصدار وطرحت 30 في المائة من رأسمالها في السوق(تم إعطاء الصناديق الاستثمارية نصف الأسهم المطروحة لتكتتب فيها وهي المرة الأولي التي تم فيها ذلك) في حين تراوح الطرح في التأمين بين 30 و50 في المائة. وراوحت الأموال التي جمعت من قبل الشركات الصغيرة بين 183.9 مليون ريال و403 ملايين ريال وبالتالي كانت نسب التغطية بين 375 في المائة و1118 في المائة ونجم عن ذلك أن راوح التخصيص بين 4 و15 سهما للفرد من الاكتتابات التي تمت أخيراً. حجم الأموال الفائضة راوح بين 152 مليون ريال و363 مليون ريال وهو مقبول مقارنة بالمطلوب من المستثمرين. الملاحظ أن هناك نوعا من التخوف من قبل السلطات الرسمية حول طرح الشركات الصغيرة ومدى تأثيرها في التداول في السوق؟ ويبدو أن جانب التخوف من الطرح أثبت عدم تأثيره من خلال ما تم في الفترة الماضية من كميات كبيرة وخلال فترة طويلة نسبيا ولم يفرز أي نوع من السلبيات في الاكتتاب أو حجم الأموال المكتتب بها، بل جاءت متناسقة ومتفقة مع حجم رأس المال. المفهوم السابق الذي كان يركز على أن إقبال المستثمرين يتزايد مع الاكتتاب فشل في إثبات صحته هنا، نظرا للربحية التي يمكن تحقيقها منه وحسب الجدول نجد أن عدد المكتتبين راوح بين 105 آلاف و711 ألف مكتتب ولم يلامس المليون هنا. ويجب أن نركز على أن هناك عددا من الشركات ركزت على البعد الشرعي ولم تجذب عددا كافيا. وربما ما شهدناه في الواقع ناجم من أن كبار المستثمرين دخلوا مؤسسين في هذه الشركات وبالتالي انتفت الحاجة للتجميع والحصول على حصص كبيرة ولم يتم التركيز على السوق السوداء في رفع حجم المكتتبين. ولكن لا يفسر ذلك بداية التداول ورفع الأسعار فيها سوى ربما من تدخل جهات محددة ترغب في الانتفاع بصورة مباشرة وخاصة لمحفظتها برفع قيم الأسهم.
الشركات الكبيرة:
مجموعها شركتان بلغ حجم المطلوب جمعه من السوق نحو 8.764 مليار ريال جمع ضعفها من السوق ولم تختلف النسبة عن السابق سوى أن التخصيص حقق معدلات أفضل وبلغ عدد المكتتبين بالملايين (راوح بين 2 و5 ملايين مكتتب). وتأثر قليلا اكتتاب "كيان" نتيجة للفتاوى الصادرة حولها ولكن "جبل عمر" شهد زخما أكبر ولنفس فترة الاكتتاب. ويظهر لنا من خلال البيانات والتحليل أن هناك إقبالا متزايدا وحسب حجم المعروض من قبل المستثمر في السوق وأن هناك نوعا من التعقل في الطلب وعدم الدخول بقوة كما أن وجود أعداد كبيرة من المؤسسين حجم من الطلب على عناصر السوق السوداء في الاكتتابات.
مسك الختام:
البيانات السابقة والنتائج أوضحت لنا عددا من الحقائق المهمة حول سلوكيات السوق والمستثمرين وأسقطت كثيرا من النظريات حول السوق. ولعل أهمها هو أن الإقبال ليس دائما موجودا في السوق وعلى الاكتتابات الجديدة تأثير السوق السوداء في الاكتتاب يتناسب مع حجم الطرح ودخول كبار المستثمرين كمؤسسين. انتفاء أبعاد معينة لا يؤثر سلبا في الطرح وفي الوقت نفسه لا يؤدي إلى وجود جاذبية. يبدو أن تطلعات البعض في تحويل السوق إلى استثمارية أسهم في جعل السوق أقل جاذبية كمصدر استثماري ذي سيولة جيدة.