«الخوف» عبر التاريخ .. رعب الألفية وقرب فناء العالم

«الخوف» عبر التاريخ .. رعب الألفية وقرب فناء العالم

يعود اهتمام الكتابات التاريخية الغربية بموضوع الخوف إلى الدراسة التي أنجزها المؤرخ الفرنسي المعاصر جون دولومو، المتخصص في تاريخ العقليات الدينية، حول الخوف في الغرب ما بين القرنين الـ 14 والـ 18، على الرغم من الإشارات التاريخية إلى دراستين سابقتين على هذا البحث؛ تهم الأولى كتاب المؤرخ جورج لوفيفر تحت عنوان الخوف الكبير لعام 1789، الذي خصصه للثورة الفرنسية وكتبه عام 1932، وتشمل الثانية مقال للوسيان فيفر في مجلة الحوليات E.S.C حول الإحساس بالأمن.

قراءة جديدة
وإذا كان تساؤل جورج لوفيفر عن إمكانية إعادة قراءة التاريخ انطلاقا من الحاجة إلى الأمن، فإن موضوع الخوف كما أشار إليه الباحث إدريس الكنبوري في قراءته لمؤلف جون دولومو السابق، موضوع غريب متشعب، لم تتعود الكتابة التاريخية الاقتراب منه أو حتى التفكير فيه، وقد يدرس هذا الموضوع من الناحية النفسية -السيكولوجية، أو من الزاوية الدينية - اللاهوتية، لكن أن يدرس من الناحية التاريخية فهذا يبدو مهمة صعبة، وهي المهمة - المغامرة – التي تفرد بها جون دولومو بعدما كسر ما سماه هو الصمت الطويل حول دور الخوف في التاريخ، وما قد تسلطه كتابة لتاريخ الخوف في الغرب من أضواء على جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية والنفسية والذهنية للإنسان الأوروبي في فترات زمنية قد تمتد لقرون طويلة توصف بالعصيبة.
وإذا ما استقرأنا بعض المسافات الزمنية من التاريخ الأوروبي ما بين القرن الـ 14 ونهاية القرن الـ 18 التي واكبت بداية الثورة الفرنسية، سنجدها مليئة بالأحداث العصيبة والمؤثرة في سيرورة الفكر والذهنية الأوروبية. فقد أدت الكوارث المتوالية على أوروبا خلال هذه الفترة، والمتمثلة في حرب الـ 100 سنة بين فرنسا وإنجلترا (1337 - 1453)، الطاعون الأسود الذي عصف بنحو 25 مليون أوروبي، التوسع العثماني في الشرق الأوروبي، بداية الحرب الإيطالية الفرنسية 1494،الانتفاضات الشعبية بين القرنين الـ 14 والـ 17، الحروب الدينية الثمانية ما بين (1562 - 1598)، وأيضا الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي ضربت فرنسا وأدت إلى انتشار الفقر في كل أرجاء البلاد، والطواعين التي ضربت فرنسا وأوروبا بين (1620 - 1640). إلى انتشار فكرة رعب الألفية وقرب فناء العالم، وأصبح الخوف من الموت والخوف من المرض ومن الجوع ومن الأجنبي ومن المجهول هاجسا يتهدد حياة الإنسان، ورمزا لفقدان الأمل والأمن والأمان. وزاد من تركيز الإحساس بالخوف وغياب الأمن ما خلفته الثورة الفرنسية لعام 1789 من مخاوف كبرى بسبب أعمال النهب والقتل والتعذيب والاغتصاب والحرق.

مخاوف الغرب
يقودنا جون دولومو عبر تحقيقاته الكبرى حول المخاوف في الحضارة الغربية، والمتضمنة في مؤلفاته، إلى اكتشاف تاريخ جديد، تاريخ طارئ، غير متوقع لعقليات الغرب في العصور الحديثة. ففي مؤلفه الأول الصادر سنة 1978 بعنوان (الخوف في الغرب بين القرنين الـ 14 والـ 18)، واعتمادا على مجال واسع ليس من الملاحظة التاريخية فحسب، لكن أيضا الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والفيزيولوجية والأنثربولوجية، يرسم المؤرخ صورة غير مسبوقة للغرب ما بين القرنين الـ 14 والـ 18؛ هي في آن واحد تاريخ للعقليات وتاريخ للحياة اليومية، صورة مجتمع أوروبي مصدوم بوباء الطاعون، الحروب، الصراعات الدينية وانعدام الأمن المستمر، كما يقدم نماذج وأنماط من المخاوف العديدة؛ الخوف من البحر، من الظلمات، من الطاعون .. من الثقافة المسيطرة، من القدر، من الشيطان وأعوانه، من المرأة، من السحر .. مع التركيز على آليات الخوف ولا سيما من الكنيسة، على المستويات الجماعية والفردية.
ومتابعة لبحثه حول الخوف في الغرب، اكتشف المؤلف في تركيبة توليفية مهمة، أصدرها سنة 1983 في مؤلفه الموالي (الخطيئة والخوف)، قلق الإنسان المخطئ، والمخاوف التي يحس بها؛ الخوف من الموت، من الأحكام والعقوبات، من الجحيم ... ويخلص إلى أنه لم تمنح أية حضارة هذا الحجم وهذه القيمة للشعور بالذنب والعار مثلما قام به الغرب من القرن الـ 12 إلى القرن الـ 17. ولم تقتصر أبحاث جون دولومو على الفترتين الوسيطية والحديثة، بل امتدت في خطها الزمني من العصر القديم إلى الفترة المعاصرة. ففي دراسته لموضوع الأمن والحاجة إلى الحماية التي أصدرها سنة 1989 بعنوان (طمأنينة وحماية، الشعور بالأمن في الغرب القديم)، يقارن المؤلف بين عقليات الإنسان القديم وأخيه المعاصر من خلال رصد مراحل تطور حاجته إلى الأمن عبر العصور. ففي الوقت الذي كان فيه الأسلاف القدامى يلتجئون إلى الإله ليحمي بيوتهم وحقولهم، ويبعد عنهم الأمراض والأوبئة والعواصف والأعاصير من خلال تلاوة الصلوات الملائمة لكل ظرفية من الحياة اليومية، وكانت الكنيسة فيما بعد تطمئن مؤمنيها بواسطة التطواف والبركات، وأكدت الإصلاحات الدينية البروتستانتية على مواجهة الخوف والقلق بالإيمان، أصبح الإنسان المعاصر يبحث أكثر من أي وقت مضى عن مأمن من كل الأخطار الممكنة، وخلفت الحاجة لديه إلى الأمن الرغبة في حماية الجسد، وعوض الاحتماء بالكنيسة وتلاوة الصلوات، الارتماء في أحضان مؤسسات الضمان الاجتماعي ومخططات التأمينات العامة.
وبصدور مجلده الضخم سنة 2013 تحت عنوان (من الخوف إلى الرجاء)، الذي يضم مؤلفي جون دولومو إضافة إلى عشرات النصوص غير المنشورة، وعروض ومناقشات المؤلف في كوليج دو فرانس، يكون هذا الأخير قد سجل تاريخا حاسما لظهور ما يسمى تاريخ العقليات الدينية، وهو اسم الكرسي الذي ترأسه بكوليج دو فرانس، الذي أصبح يسمى فيما بعد التاريخ الثقافي للتدين.

زوايا مختلفة
ظهرت فيما بين سنتي 1978 و2013؛ أي فترة صدور مؤلفات جون دولومو السابقة، مجموعة أخرى من الأبحاث والدراسات التي تناولت موضوع الخوف في الغرب من زوايا مختلفة ومقاربات متعددة، توزعت بين الأبحاث التاريخية والاجتماعية والأنثربولوجية، مسترشدة بعضها بخلاصات علم النفس وعلم النفس التحليلي وعلم السلوك وعلم الأعصاب. وفي سنة 1999 ظهر كتاب لجورج ديبي تحت عنوان (عام 1000، عام 2000، على خطى مخاوفنا)، يدرس هذا المؤلف الذي قدم له جاك لوجوف مخاوف العصر الوسيط انطلاقا من المخاوف المعاصرة، ويرى مؤلفه أن الناس الذين عاشوا خلال ثمانية قرون أو عشرة قرون مضت، لم يكونوا لا أقل ولا أكثر قلقا منا نحن؛ قلقون بشأن بقائهم على قيد الحياة لكن مفتونون بالأجنبي، عنيفون لكن متضامنون، مهددون بالأوبئة ومختلف أشكال الموت، أناس العصر الوسيط عاشوا الأزمات الأكثر مأساوية؛ الخوف من الفقر، من الآخر، من الأوبئة، من العنف. ولم يتوقف التأليف في موضوع الخوف وتاريخه عند هذا الحد، بل استمرت الأبحاث والإنتاجات الفكرية والأدبية والتاريخية في تتبع مظاهر الخوف من جوانب عدة، سنقتصر على نموذجين يربط أحدهما بين الخوف والسلطة السياسية، فيما ينزع الثاني إلى البحث في الكتابات الأدبية والتاريخية في الموضوع وتأثرها بالنزعات السياسية والدينية لمؤلفيها. لقد أكد كوري روبين في كتابه (الخوف، تاريخ فكرة سياسية) الصادر سنة 2006، ببداهة، دور الخوف في الحياة السياسية لبلد ما، وليس فقط خلال الأحداث الاستثنائية – مثل هجمات 11 سبتمبر في نيويورك - لذلك يعتبر الأمر مخزيا حين يشعر المرء بالخوف ويعترف به، ويقلل من تأثيراته مفضلا الاختباء وراء التفسيرات الأكثر عقلانية لسلوك الحكام كما للمواطنين، ويوضح كيف أصبح الخوف يشكل ركيزة أساسية للسلطة حتى في الديمقراطيات الليبرالية. فالمؤلف هنا يجمع بين تحليل تاريخي لفكرة الخوف (من هوبس إلى حنا أرنت مرورا بمونتيسكيو وتوكفيل) وبين وصف واقعي مقتبس من الحياة السياسية الأمريكية الحالية، بل يتجاوز الإطار الأمريكي لتطبيقه على جل المؤسسات الديمقراطية.
أما المؤلف ماتيلد برنار فقد عكف في كتابه (كتابة الخوف زمن الحروب الدينية) في فرنسا (1562 - 1598) الصادر سنة 2010، على دراسة الكيفية التي استغل من خلالها المؤرخون والكتاب شهود تلك الفترة، ذوو النزعات السياسية والدينية المختلفة، خوف القارئ عبر كتابات إيحائية مثيرة. فخلال الحروب الأهلية التي مزقت فرنسا في النصف الثاني من القرن الـ 16، سبب الخوف مجازر كبيرة، أحيا التمردات، غذى الكراهية، وظل على الرغم من ذلك، وفي كثير من الأحيان وسيلة لمراقبة السكان. فالكتاب والمؤرخون الذين أدركوا الفترة الرهيبة التي عاشوها، لم يتجنبوا مسألة دور الانفعالات في مسار التاريخ، لكن مقاربتهم الجديدة المتمركزة أكثر حول الإنسان ليست أكثر موضوعية. تذهب هذه الدراسة إلى تحليل الأدوات المفاهيمية، اللغوية والبلاغية المعبرة عن العاطفة، لإثبات كيف أن هؤلاء المؤرخين والكتاب يعرضونها ضمن إطارات محددة، شعائرية: معارك، مجازر، أحكام الإعدام ... ففي كتاباتهم عن الخوف، يضع هؤلاء - عبر آرائهم المختلفة – الفرد مسؤولا، قادرا على تنظيم عواطفه وانفعالاته، في مركز رؤيتهم للتاريخ. وأخيرا يحلل المؤلف في هذا الكتاب مكانة العواطف في معجم المعارك، ويستكشف الروابط بين التاريخ في حالة الصنع وطرق الإبداع الأسلوبية التي يحدثها في شهوده ومؤلفيه.
تعتبر هذه النماذج المقترحة غيضا من فيض الدراسات والأبحاث المستفيضة التي تناولت ظاهرة الخوف في تاريخ الغرب عموما وأوروبا على وجه الخصوص من زوايا مختلفة وبمقاربات متنوعة، سواء في النصوص الأدبية من روايات وأشعار، أو في الدراسات التاريخية، أو في الأبحاث الاجتماعية والأنثربولوجية، وحتى النفسية والسلوكية فيما بعد.
لقد فتح المؤرخان جورج لوفيفر ومن بعده جون دولومو الباب على مصراعيه لموضوع لم يستطع أحد الاقتراب منه أو حتى التفكير فيه، موضوع قديم حديث؛ قديم قدم التاريخ وقدم الوجود الإنساني، مرتبط بالسلوك الانفعالي للإنسان اتجاه الظواهر والأحداث المرعبة. وحديث من حيث الاهتمام به والكتابة فيه ضمن مجال جديد لما يسمى تاريخ العقليات.

باحث وأكاديمي مغربي *

الأكثر قراءة