في وداع الحرم .. أمن «دولة الحق» وإنسانيتها ذكرى لن تنسى
صورة إنسانية مؤثرة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي لرجل أمن سعودي يقتسم وجبته الخاصة مع طفلة صغيرة من ضيوف الرحمن.
وغيرها الكثير من الصور الإنسانية المتداولة إعلاميا في السياق ذاته، تختصر الكثير ثقافيا وإنسانيا وتقلب المعادلة لصالح مفهوم "دولة الحق". فالعلاقة المعتادة بين "السلطة" والجمهور لطالما اتسمت تاريخيا بالكثير من القوة والسطوة إن لم يكن العنف في بعض الحالات. إذ إنها علاقة رأسية بطبعها وليست أفقية. وتبرّر هذه العلاقة بالكثير من الحاجات الإنسانية، تأتي على رأسها الحاجة الملحة للأمن والأمان.
عفوية اللحظة
لاستضافة الحجيج ثلاثة أبعاد، إنساني ومادي وديني. الأول عفوي ولا يمكن التخطيط له، ومع ذلك فإن كل الصور التي تلتقط في غفلة من الحجيج والقائمين عليهم من مختلف الجهات تعكس هذا البعد في أروع تجلياته.
فيما البعد الثاني بذل مالي وإداري سخي لا ينكره أحد، كما أنه لا يلتف إداريا بطلب رسوم أو ضرائب على أي خدمة تقدم، منذ اللحظة الأولى لوصول الحاج وحتى مغادرته. أما الثالث، أي الديني، فإن التنازع فيه والمتاجرة به "سياسيا" لهذه اللحظة هو بلاء الأمة قبل الحج وأثناء الحج وبعده.يخطئ من يظن أن ما تقوم به المملكة في الحج هو "إدارة للحشود" بالمفهوم الشائع فقط. ليطلب الاستفادة من تجارب أخرى في إدارة حشود رياضية أو سياسية من بلد واحد وثقافة واحدة. فما تقوم به السعودية، وما أجادته حكوميا وشعبيا، تجربة طويلة ومختلفة تماما، ليس لها مثيل على الإطلاق.
إذ إنها أمام تحد سنوي يفرضه تنوع ثقافي من حيث الطوائف والمذاهب والمرجعيات العرقية لا يحدث أن يجتمع في مكان واحد في العالم. فضلا عن أن يتكرر مرة كل عام في مكان مشروط فقهيا، ومحدود جغرافيا. مع تجدد فردي مستمر لضيوف الرحمن يجعل الأغلبية العظمى منهم يعيش هذا التجربة ويمارس هذه الشعيرة لأول مرة في حياته ولعلها الأخيرة. ما يضاعف من تعاطف هذه الدولة بكافة سلطاتها مع كبير السن والصغير والمريض، بما يستدعي الكثير من الإعداد والتنسيق المتزايد ماديا وثقافيا. وهذا بالتحديد ما يترك للسعودية من قبل كثير من الدول، لتتدبره بنفسها، ولتتحمل هي أخطاء التجربة الأولى للحاج.
إنسانية السلطة
وعلى الرغم من الأخطاء الواردة دائما إلا أن هذا لا يمنع خطط الأمن السنوية من تحري اللطف الدائم نظريا وعمليا في تمييز واضح بين السلطة والقوة. فمن حيث المفهوم يمكن ملاحظة ارتباط القوة في بعض صورها بمجرم مسلح. في حين تعتبر السلطة مرتبة أعلى لا تكون لأي أحد ولا تشترط القوة بالمعنى المادي العنيف.
#2#
ولكنها بالضرورة تتضمن تأثيرا قويا قد يكون روحيا أيضا، فبعض القادة، مثلا، يتمتع بسلطة وليس قوة، ومع ذلك يكون تأثيره قويا.ومن هنا، إذا فقدت القوة العسكرية سيطرتها، فإنها ستفقد عندئذٍ سلطتها. ولكن العكس غير وارد، الأمر الذي دفع السيولوجي الألماني ماكس فيبر M Weber للتخوف من فكرة فقدان الدولة قوتها. ليحاجج مبررا القوة بأي شكل من الأشكال باعتبار الدولة تجمعا سياسيا غير قابلة للتعريف إلا من خلال العنف. فالعنف المادي يعتبر الوسيلة الوحيدة التي تسمح للدولة بممارسة سيادتها، ومن دون العنف ستعم الفوضى. كما يؤكد فيبر أن الدولة تملك الحق في استعمال العنف، فهو إذن عنف مشروع لا يمكن أن يمارسه أي فرد دون موافقة الدولة.
لكن في المقابل وفي سياق آخر، أكثر تقدما، يمكن من خلاله تلمس وقراءة ما يقوم به رجال الأمن السعودي. تشير جاكلين روس J. Russ إلى مفهوم جديد تسميه "دولة الحق" التي بنظرها أصبحت واقعا معيشا، ولم تعد كيانا مجردا. فدولة الحق تتجلى في الممارسة المعقلنة للسلطة، لأن الدولة توجد لخدمة الفرد (وليس العكس)، لأنها تعتبره قيمة مؤسسة. فالدولة إذن تحتل مرتبة "ما بعد الإنسان"، لما أصبح يمثله من معيار أسمى.
شمولية الأمن
هذا التحدي المتجدد موسميا لا يمنع "دولة الحق" من مواصلة تطويرها وتفعيلها لمفهوم الأمن الشامل تجاه الضيف والمواطن والمقيم. ويقصد بثقافة الأمن الشامل، وفقا للمختص الدكتور عطية طاوي، الخروج من المصطلح الضيق في مفهوم الأمن الذي تقوم به الجهات الأمنية إلى ما هو أشمل وأوسع في جميع مناحي الحياة (الأمن الاقتصادي، الأمن البيئي، الأمن السياسي، الأمن النفسي، الأمن المادي، الأمن المعنوي، الأمن الاجتماعي.. إلخ).
أولا: الأمن الاجتماعي وهو حالة الاطمئنان التي يشعر بها أفراد المجتمع التي تتحقق من خلال المؤسسات الاجتماعية عند مساهمتها في الإمكانات والممارسات التي تحقق الشعور بالأمان في الحاضر والمستقبل وتسعى إلى حماية الدين والنفس والعقل والمال والعرض للجميع وتؤكد الاعتراف بوجوده ومكانته وتتيح له المشاركة الاجتماعية وتنمي لدى الفرد الشعور بالانتماء والولاء.
ثانيا: الأمن السياسي وهو حالة من الطمأنينة الاجتماعية تتحقق من خلال تشجيع وتنمية مشاركة المواطنين السياسية وانعدام الشعور بالعزلة السياسية.
ثالثا: الأمن الاقتصادي الذي يرمي إلى توفير المناخ المناسب للوفاء باحتياجات المواطن وتويفر سبل التقدم والرفاهية ووضع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى لضمان اقتصادي قوي.
#3#
رابعا: الأمن البيئي الذي يرمي إلى التأمين من أخطار البيئة والتخلص من مسببات التلوث البيئي والمحافظة والمراقبة على البيئة والطبيعة والعمل على معالجة السلبيات البيئية بطرق تفرز الاستقرار البيئي الاجتماعي.
خامسا: الأمن المعنوي أو الآيديولوجي الذي يؤمن الفكر والمعتقدات ويحافظ على العادات والتقاليد والقيم.
لذلك تتضح أهمية ثقافة الأمن الشامل من أجل ترسيخ مبدأ الإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن والحفاظ على ثرواته ومقدراته وممتلكاته ومكتسباته وغرس المبادئ الإنسانية والقيم وروح الانتماء للوطن ولقادته.