قراءات

قراءات
قراءات
قراءات
قراءات

عن الأسلوب المتأخر

موسيقى وأدب ضد التيار، يملأ ثغرة في مكتبة إدوارد سعيد باللغة العربية. ها هو صاحب «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية» و«خارج المكان» يطل بوجهه الآخر والأبرز بما هو الناقد الأدبي والموسيقي والثقافي. توفي إدوارد قبل أن يضع اللمسات الأخيرة على هذا الكتاب الذي يتناول منتجين ثقافيين في المرحلة الأخيرة من حياتهم، تحدوا دهم الموت بالسير «عكس التيار» في المضمون والشكل. في الأدب، جان جنيه وكاڤافي ولامبيدوزا وطوماس مان، وفي التأليف الموسيقي، باخ وموزار وبيتهوفن وشتراوس والعازف المعجز جلين جولد، إضافة إلى الأوبرا والمسرح الإغريقي وأفلام فيسكونتي، ودوما في استلهام خلاق لأعمال آدورنو وغرامشي النقدية. «عن الأسلوب المتأخر» هو أيضا عمل إدوارد «المتأخر» يسير فيه هو نفسه «عكس التيار» من حيث جذرية النظرة والنبرة والمفاهيم، ويسكب النقد بأسلوب بلغ أرقى درجات الصنعة والأناقة. من هنا فإن تصنيع «عن الأسلوب المتأخر» باللغة العربية يتعدى التعريف برائعة في النقد الأدبي والموسيقي إلى نشر وصية إدوارد سعيد الفكرية والأدبية.

لعبة الأوراق والنور

#2#

لا أرى من تلك الحديقة في الناحية المقابلة من النافذة سوى الجدران. وتلك الأوراق القليلة حيث يسيل النور. وإلى الأعلى، المزيد من الأوراق. وفي الأعلى، هناك الشمس. ومن كل هذه البهجة المنتشرة في الهواء التي نشعرها في الخارج، من كل هذا الفرح المندثر فوق العالم، لا أتميز سوى ظلال الأوراق تتلاعب فوق الستائر البيضاء. وأشعة شمسية تسكب في الغرفة، بصبر، شذى أشقر لأعشاب يابسة. نسمة هواء، وها هي الظلال تحيا فوق الستائر. فلتخف سحابة الشمس ولتكشفها من ثم، وها هو الأصفر الزاهي لمزهرية الميموزا ينبثق من الظل. يكفي: هذا البريق الوليد وحدها. وها أنا مغمور بفرح مبهم يصيبني بالدوار.

مملكة الفراشة

#3#

هي مملكة الهشاشة والقوة الصامتة. كيف يواجه العالم العربي مشكلاته ومآزقه الحادة وحروبه الظاهرة والخفية التي تبدت بقوة في بدايات القرن الحادي والعشرين، وهو غير مهيأ لها في ظل دكتاتوريات طاحنة وثورات مبهمة؟ لم تختر ماريا المنفى نحو مدن الشمال ونسيان أرضها برغبتها. لم تغرق أختها ياما في العزلة الافتراضية اشتهاء في ذلك. لم ينته أخوهما رايان في المخدرات بإرادته. لم يذهب والدهم زبير أو زوربا، وهو المختص الطبي العالمي، نحو عزلة الخوف والموت برغبته، قبل أن تسرق منه مافيا الأدوية حياته. الأم فريجة أو فيرجينيا لم تذهب نحو عزلة الجنون والموت بين كتبها برغبتها. لم تختر هذه العائلة النهايات التراجيدية والمآلات القاسية، ولكنها العزلة التي فرضتها عليها الحرب الصامتة التي أعقبت الحرب الأهلية، حيث لا تنطفئ النيران المشتعلة ولكنها تتخفى تحت الرماد في انتظار جنونها المشهود. الكل يخاف من الكل، والكل يحلم بأن ينتقم من الكل، والكل يتربص بالكل. عزلة ياما مع الفيسبوك وموسيقى الجاز وانتظار عودة صديقها الافتراضي، فاوست، ليست إلا تخفيا جديدا داخل الذات المنكسرة، لكن من يدري؟ الفراشات التي لا تنكسر في فصل الموت، يكبر يقينها بالحياة.

نقد العقل السياسي

#4#

السياسة جعلت الناس، في جميع الأزمان، مجانين أو متوحشين أو خطرين، وبكلمة واحدة، فاقدي العقل. هذا ما يقوله الرأي الشائع. والحق أن لكل انحراف عقلي سببه، ولا شيء يتم بلا علة. ها ما يقوله الحس السليم. ومن هنا السؤال المحرج: لماذا ينبغي أن نزيغ عقول الناس بمجرد أن يعيشوا في مجتمع؟ الجواب هنا يتخذ شكل صعود نحو وضع إمكان الهذيان الجماعي وهو يبدأ بفحص خطابات الهذيان (وهي اليوم إيديولوجية) وينتهي بفحص البنية المنطقية لجماعة مستقرة. وينتج من ذلك أن “عدم اكتمال” أية مجموعة مغلقة يحدد الاستعمار الممكن لقابلية البشر للتصرف والانتظام جماعيا. وهو ضغط ملزم يطلق عليه التقليد النقدي صفة “نظام”. يقول ريجيس دوبريه “طويلا ما أخفت السياسة عن السياسي”. إنها تخفيه، ليس بمعنى ما يخفي القطار قطار آخر، بل بمعنى أن أي قطار يخفي السكك التي يجري عليها. هناك مسافات كثيرة، وشرعات كثيرة، ولكن هنا سكة حديد واحدة، أو سكة صليب. وهذا النقد للعقل السياسي، إذ يثبت على نحو مادي دقيق الطبيعة الدينية للوجود الجماعي، يكشف، في تطبيق التنظيم، ثوابت يشكل مجموعها “اللاشعور السياسي” للإنسانية، أو بكلمة أفضل: حضورها الأبدي.
ويقول المؤلف: “أنا لا أواجه خطر أن أناقض، بل خطر ألا أفهم”.

الأكثر قراءة