الوقت .. بين قسوة الزمان ونعمة المكان

الوقت .. بين قسوة الزمان ونعمة المكان
الوقت .. بين قسوة الزمان ونعمة المكان

ما أكثر الأمثال في تراثنا العربي التي تحض على اغتنام الوقت، وتنصح بحسن استغلاله، إذ نجد في الأثر مثلا "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، بل اعتبر الوقت من النعم التي غبن فيها الكثير من الناس. اهتمام وحرص بليغان على الوقت نجده في تراث باقي الثقافات حيث يقول الإنجليز في إحدى حكمهم المأثورة "الوقت مال" (the time is money)، وللألمان نصيب في ذلك أيضا بقولهم "من أتى متأخرا يعاقبه التاريخ"، وكان موضوعا لشعراء كذلك فهذا أميرهم أحمد شوقي يقول:

"دقات قلب المرء قائلة له ** إن الحياة دقائق وثواني".

أكيد أن أي واحد منا يرمق ساعة يده أو بيته أو هاتفه عشرات المرات في اليوم، وربما المئات إن كان من الحريصين على ضبط الوقت. بيد أن زحمته لا تدع الواحد منا يفكر ولو لحظة عن أصول التقسيم الزمني للوقت، بعبارة أخرى، هل كان الأقدمون يحسبون الوقت بطرقنا نفسها اليوم وبالمعايير ذاتها، وهل كانوا يعانون ضغط الحياة اليومية مثل ما هو عليه حال واقعنا اليوم، خاصة أن اختراع الساعة بشكلها الحالي حديث نسبيا مقارنة بتاريخ الإنسانية الطويل.

عودا إلى التاريخ نقول إن الشمس كانت أولى الأدوات التي اعتمدها الإنسان لقياس الوقت؛ بدءا بالشروق والغروب ثم فكرة الظل في وقت لاحق من قبيل ظل "الشجرة"، "العصا". وفي الليل كانت حركة النجوم هادية الإنسان في سيره الليلي، وعرفت حين ذاك بالساعة العملاقة.

تشير سياقات أخرى إلى أن فكرة الظل كانت مرشد المصريين القدماء لتقسيم النهار إلى 12 فترة زمنية بواسطة قضبان خشبية لها رؤوس حادة، والأمر نفسه بالنسبة لليل نسبة إلى ظهور 12 نجما في السماء، وبذلك تعتبر العصا أو القضبان أول ساعة توقيت عرفها الإنسان.

ثم جاء الدور في عصر لاحق على الساعة الرملية كأداة لقياس الوقت، التي تتكون من كرتين من الزجاج فوق بعضهما متصلتين بفتحة ضيقة، وتكون الكرة العليا مليئة بالرمل الناعم الذي يتسرب إلى الكرة السفلى، ويمكن قلب الساعة عندما تمتلئ الكرة، ويعتبر الوقت الذي تحتاج إليه الكرة العلوية لتغدو فارغة مقياسا للوقت.

#2#

مهما يكن من أمر، فإن فكرة تقسيم الأيام إلى وحدات متساوية (أربع وعشرين ساعة) ربما تكون قد ظهرت عند البابليين لأول مرة، إذ هم أصحاب المزاولة أو الساعة الشمسية لمعرفة الوقت.

وهذه الأخيرة عبارة عن دائرة تضم علامات تشير إلى الساعة فيها بين شروق الشمس وغروبها، وتغرس في وسطها ساقا خشبية صغيرة، حيث يقع ظلها على العلامات، ومع حركة الشمس عبر السماء يتحرك الظل محددا الوقت.

أما عن مسألة التقسيم الزمني في وحدات كبرى فالمصادر التاريخية تشير إلى أن اليوم والشهر والسنة تقسيمات زمنية استوحاها الإنسان من الطبيعة، إلا أن الأسبوع والساعة فترات تعسفية لا نصادف لها أصلا في الطبيعة، وإنما حددها الإنسان، والناس على اختلافهم واختلاف أزمنتهم حددوا قيما متباينة لأطوالهما. فبالنسبة للشعوب البدائية لم يكن هناك ما يدعو إلى شيء يسمى أسبوعا، ولكن مع تزايد نمو الحضارة نشأ سببان: أحدهما ديني، أي الحاجة لتخصيص يوم منتظم للعبادة. والآخر تجاري، إذ لا بد من يوم محدد متكرر للسوق والبيع والشراء.

وهكذا قُدر الأسبوع عند قبائل الأنكا Incas في البيرو بعشرة أيام، بينما تقلص إلى أربعة أيام فقط في غرب إفريقيا. أما عن تقسيمنا الحالي سبعة أيام فيعود إلى الرومان مع جوليان (ربما لما يجمله هذا الرقم من دلالات دينية).

القول نفسه يسري على التقسيم إلى الساعات التي عرفت الكثير من التأويل والتغيير على مر العصور، خصوصا مع حيرة الإنسان في ضبط دقيق متساو لها مع اختلاف المدة الزمنية للساعة الوقتية باختلاف فصول السنة والانقلابين (الشتوي،21 ديسمبر والصيفي، يونيو) والاعتدالين (الربيعي، 21 مارس والخريفي، 21 سبتمبر).

تاريخا لا يمكننا أن نقول متى أنشئت أول ساعة آلية حقيقة، ولا من الذي أنشأها أول مرة. وهذا الاضطراب ناجم عن عدم توافر الدقة في المخطوطات القديمة التي تشير إلى الساعات "Horologes" السابقة عن القرن الرابع عشر. ولا بأس أن نذكر في هذا السياق أن كلمة ساعة "clock" مشتقة من الكلمة اللاتينية "clocca" ومعناها جرس، ومن المعتقد أن أقدم الساعات الآلية جاءت فكرة تصميمها كي تقرع جرسا كل ساعة من الزمن، بدلا من بيان الوقت بصورة مستمرة بواسطة العقارب.

لكن من الممكن أن نشير إلى أشهر الساعات الحقيقية التي عرفها التاريخ ومن بينها ساعة ميلانو بإيطاليا التي كانت تدق، ووضعت في قصر فيسكونتي، وتم تشييدها سنة 1335. وفي إنجلترا نجد ساعة كاتدرائية ساليزبوري، ويرجع تاريخ صناعتها إلى نحو عام 1382، غير أن هذه الساعة تعرضت للتحديث أكثر من مرة حتى فقد معظم مواد صناعتها الأولى.

أما ساعة كاتدرائية ويلز التي صنعت بعد ذلك بعقد من الزمان، فما تزال قائمة حتى اليوم في متحف العلوم بالعاصمة البريطانية لندن. أما أول ظهور لساعة اليد بشكل المعروف عندنا اليوم فيعود إلى عام 1510، وإن لم تستقر شواهد التاريخ على بلد الظهور أهو ألمانيا أم إيطاليا.
مهما يكن من إشكال حول البحث في تأريخ الزمن، فلا شك أنه أخف وطأة من أسئلة الزمان الكبرى المرتبطة بالوجود الإنساني، ومنها ما عبر عنه إسحاق بارو بقوله: "سواء جرت الأشياء أو ثبتت في مكانها، وسواء نمنا أو استيقظنا، فإن الزمان ينساب بإيقاعه المطرد". وأخرى تتعلق بكينونة الماضي وماهية الحاضر وكذا المستقل؟ وعن هذا الإشكال يقول أحدهم "مع التسليم بأن افتراض الوجود الحاضر للماضي تكتنفه مشكلات ذات طابع ميتافيزيقي.. فما معنى الوجود الحاضر للماضي؟".

الأكثر قراءة