بعد نظريته «نهاية التاريخ» .. «فوكوياما» يبشّر بنهاية الديمقراطية
كثير من القراء قد يتساءل عن العلة وراء رؤية الديمقراطية بعيون مفكرين كفوكوياما ولاري ديموند دون غيرهما، في وقت تعج فيه الساحة الفكرية والسياسية الغربية عامة والأمريكية منها بالخصوص بأسماء لها باع طويل في السياسة تنظيرا وممارسة.
يظل القاسم المشترك بين الرجلين كونهما رقما ثقيلا في معادلة الفكر والسياسة بالعالم الغربي أولا، وامتلاكهما طريقة متميزة في الكتابة والتحليل والقدرة على التركيب ورؤية مختلف للعالم ثانيا، وأخيرا قدرتهما على التتبع والرصد الدقيقين لمتغيرات منحى الديمقراطية في العالم.
فالأول لاري ديموند (Larry Diamond) مدير مركز التنمية والديمقراطية وسيادة القانون في جامعة ستانفورد، وأحد كبار علماء علم الاجتماع السياسي في معهد هوفر، وأحد المؤسسين والمحررين، منذ عام 1990، لواحدة من أبرز الدوريات العالمية المتخصصة في موضوع الديمقراطية، تحمل اسم "مجلة الديمقراطية" Journal of democracy. يعد حاليا من النقاد الحادين للسياسات الأمريكية المتناقضة التي تنال دون شك من القيم التي يدافع هو عنها بشراسة، ومن الأسماء التي رفضت السياسات الأمريكية في العراق، له أزيد من 30 مؤلفا من أبرزها "الانتصار المفقود: الاحتلال الأمريكي والجهود الفاشلة لجلب الديمقراطية إلى العراق".
والثاني فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) أمريكي من أصول يابانية، يشغل منصب أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي، ومدير برنامج التنمية الدولية بجامعة جون هوبكنز. خريج قسم الدراسات الكلاسيكية بجامعة كورنيل التي درس بها الفلسفة السياسية، وحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد في العلوم السياسية. إضافة إلى تكوينه الأكاديمي والتدريس بالجامعة عمل مستشارا في وزارة الخارجية الأمريكية ردحا من الزمن.
اعتبر ولفترة طويلة من أحد منظري المحافظين الجدد، وأسس رفقة مجموعة من تيار المحافظين مركزا للبحوث تبنى مشروعا أطلق عليه "مشروع القرن الأمريكي" الذي بدء من عام 1997. ومن منطلق الانتماء لتيار المحافظين تبنى فوكوياما مواقف سياسية دعا فيها إلى التخلص من النظام العراقي والأنظمة الاستبدادية عموما. لكن تحولا حدث في مواقف الرجل نهاية عام 2003، وكان أهمها تراجعه عن دعم الغزو الأمريكي للعراق، حيث دعا إلى استقالة وزير الدفاع الأمريكي في حينها دونالد رمسفيلد.
ووجه الاشتراك بين المفكرين - والذي فرض علينا رؤية الديمقراطية من زاويتهما – يكمن في مراجعتهما لمواقفهما السياسية والوفاء لقناعاتهما الفكرية، إضافة إلى جدة الطرح الذي تضمنه آخر أعمالهما؛ إذ أصدر فرانسيس فوكوياما هذا العام كتابا بعنوان "النظام السياسي والتآكل السياسي"(Political order and political decay) الذي جاء بعد "الربيع العربي"، سيرا على نهج كتابه "نهاية التاريخ" الذي أتى بدوره عقب سقوط الاتحاد السوفياتي وتحرير أوروبا الشرقية وتوحيد ألمانيا. وقبله أصدر لاري دايموند "روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة" (The spirit of democracy).
عرض فوكوياما على امتداد صفحات كتابه "النظام السياسي والتآكل السياسي" التي نيفت عن 600 صفحة جملة من القضايا الساخنة في الساحة الدولية، تأتي في مقدمتها مسألة الممارسة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية المفرغة مضمونيا - من وجهة نظره - بسبب ممارسات القوى السياسة من أحزاب وجماعات الضغط ولوبيات الاقتصاد. وكانت هذه إحدى نقاط قوة الكتاب حيث قطع مع دابر المحاولات التلميعية المتوالية لنظام الديمقراطي الأمريكي.
#2#
أرخت هذه النقطة بظلالها على بقية فصول الكتاب بتأطيرها تلك المقاربة التحليلية النقدية لقيم المنظومة الديمقراطية في علاقتها بالدولة من زوايا متعددة؛ الهوية، الكيان، الغايات،... يطعم الكاتب أطروحته السجالية في الكتاب بنماذج ومقارنات تساعد على الفهم والإدراك والاستيعاب، حيث يصف مثلا كل شعب غير حر بطفل صغير يريد والداه أن يعلماه السباحة. لن يكون هذا سهلا عليه. فقد يفزع أو يضطرب أو يرفض أو ربما يكاد يغرق. لكنه، في النهاية، سيقدر على أن يسبح. ويقدم لنا هنا مثالا لدولتي:
-الهند: التي يرى أن تاريخها الاستعماري خلف لديها فكرا وتجربة ديمقراطيين، رغم مشكلات البيروقراطية وضعف الحكومة المركزية. وها هي بعد 50 سنة من الاستقلال تعمل على منافسة الصين في إغراء الاستثمارات العالمية.
-الصين: التي لم يمكنها نجاح في الاستثمارات العالمية، ومنافستها لأمريكا كأقوى دولة اقتصاديا، وأيضا تراث حكومات القوية، من إسقاط صفة الدولة الاستبدادية والديكتاتورية. وإذا لم تسارع و"تتعلم السباحة، قفزا أو رميا"، ستكون لا محالة دولة "لا تعرف السباحة".
أما لاري دايموند فقد طبع كتابه منزع الشمولية في بحث موضوع الديمقراطية، فقد عنيت فصول الكتاب الخمسة عشر الموزعة على ثلاثة أقسام بأعقد إشكاليات الديمقراطية، فهو دراسة متعمقة عن تجارب عشرات الدول، وعلى امتداد 200 سنة، فيما يخص تطبيقها للديمقراطية. فالموضوع قطعا شائك لأن ثمة فرقا بين الفكرة النظرية والتطبيق الفعلي لها.
بحث ديموند، المنتصر دائما في كتاباته وأعماله لمقولة غاندي: "لا يمكن لروح الديمقراطية أن تفرض من الخارج، بل لا بد لها من أن تنبع من الداخل... إن الديمقراطي الحقيقي هو الذي يدافع عن حريته، ومن ثم عن حرية بلده، وعن حرية البشرية جمعاء"، في أطروحة موضوع العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية والدولية التي قد تشجع الديمقراطية، وتدعمها حتى داخل الدول الأكثر فقرا. كانت تلك المقولة أحد العوامل وراء تحرير كتاب بهذا الحجم، أزيد من 600 صفحة، سعيا للإجابة عن سؤال إشكالي مفاده هل بإمكان العالم أن يصير ديمقراطيا؟ وهل بالمقدور بناء مجتمعات حرة وديمقراطية عبر العالم؟
جاءت الإجابة عن هذا السؤال على امتداد صفحات الكتاب الذي يتفرد بالمزج بين خلاصات حقول معرفية مختلفة، يكاد الباحث العادي يعجز عن التعاطي معها منفصلة فكيف بالقدرة على دمجها في توليفة واحدة، تجسر العلوم وتصهر جزر المعرفة لتصير بحرا معرفيا مترامي الأطراف، بالخوص في زحام أحداث التاريخ وتفاصيل الجغرافيا وأرقام الاقتصاد وأعماق المتغيرات الاستراتيجية الممزوجة بهالة علم السياسة وخبرة عالم الاجتماع المطلع على خفايا وأسرار الميدان من خلال زيارة لاري إلى القارات الثلاث (البرتغال، التايلاند، نيجيريا...).
وكانت الخلاصة ما أعلنه هذا الباحث في مستهل تمهيده للكتاب، والموسوم بعنوان "بزوغ العهد الديمقراطي" بقوله: "لقد علمتني التجربة بما فيه الكفاية ما عززه لاحقا السفر والمطالعة وكثرة البحث والتأمل: أن مصير الديمقراطية ليس مقيدا بقوى تاريخية وبنيوية مجردة، وإنما هو نتيجة نضال واستراتيجية وإبداع ورؤية وبسالة وقناعة وتسوية وخيارات يلتزم بها الناس، أو بتعبير أدق، يلتزم بها الفاعلون السياسيون. وهذا ما أعنيه بروح الديمقراطية".
يتفق الرجلان على أن الديمقراطية في أزمة غير أن التباين بينهما متعلق بتوصيفها، فديموند يعتبر المسألة مجرد ركود عابر لأن تاريخ الإنسانية يتجه نحو الدمقرطة، بينما فوكوياما يرى أن الأمر متصل بالأنظمة التي تتآكل من تلقاء ذاتها، ما يهدد فكرة الديمقراطية التي قد تتحول إلى شكل دون جوهر.