منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (39)
ميثاق هافانا (21 نوفمبر 1947م - 24 مارس 1948م)
بعد فشل مؤتمر (بريتون وودز) في إقناع وفود الدول المشاركة بأهمية إبرام اتفاقية خاصة بإنشاء منظمة خاصة بالتجارة الدولية، على غرار اتفاقيتي إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبناء على مبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية، دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي Economic and Social Council التابع للأمم المتحدة، ويطلق عليه اختصاراً ECOSOC، إلى عقد مؤتمر دولي حول التجارة والعمل بتاريخ 18 شباط (فبراير) 1946م. تم دعوة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ومنها الاتحاد السوفيتي، للمشاركة في هذا المؤتمر بهدف تحرير التبادل التجاري في قطاع السلع بين دول العالم ومناقشة مشروع إنشاء المنظمة الدولية للتجارةInternational Trade Organization.
بدأت اللجنة التحضيرية للمؤتمر اجتماعاتها، التي تغيب عنها الوفد السوفيتي، في العاصمة البريطانية لندن لتنتقل أعمالها بعد ذلك في 21 تشرين الثاني (نوفمبر)1947 إلى مدينة هافانا Havana في جزيرة كوبا CUBA. شاركت في المؤتمر (45) دولة، من ضمنها مصر، العراق، سورية، ولبنان، واستمر المؤتمر أربعة أشهر لينتهي في 24 آذار (مارس) 1948 بموافقة (23) دولة فقط، من ضمنها سورية ولبنان، على وثيقة ميثاق هافانا Havana Charter التي صدرت باللغات الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الروسية، والصينية، وكما غابت عن مؤتمر السلام في باريس ومؤتمر (بريتون وودز) في الولايات المتحدة الأمريكية، غابت أيضاً عن هذا المؤتمر المهم معظم الدول العربية لانشغالها في قضاياها الإقليمية، ويحكى أن مندوب لبنان (جورج حكيم) ومندوب سوريا (حسني الصواف) التقيا، خلال المؤتمر، بالمندوب الأمريكي (كلير ويلكوكس) Clair Wilcox الذي سألهما عن موقع سورية ولبنان على خريطة العالم. فأجابه المندوب السوري ممازحاً بأن هذين البلدين يطلان على البحر الأبيض المتوسط الذي تم إعادة رسم حدوده في مؤتمر السلام المنعقد في باريس خلال عام 1919م. التفت المندوب الأمريكي إلى معاونه الشخصي سائلاً: هل تعلم أين تقع سورية ولبنان؟ أجابه المعاون الشخصي بثقة عمياء: نعم، في إحدى الولايات الأمريكية التي أعيد تخطيط حدودها أخيرا.
أطلق على الدول التي وقَّعت على وثيقة ميثاق (هافانا) في هذا المؤتمر، وعددها (23) دولة، اسم الأطراف المتعاقدة Contracting Parties، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، جنوب إفريقيا، سورية، لبنان، جنوب روديسيا، باكستان، النرويج، نيوزيلندا، هولندا، لوكسمبورج، الهند، تشيكوسلوفاكيا، كوبا، الصين، تشيلي، سيريلنكا، كندا، بورما، البرازيل، بلجيكا، وأستراليا. وكان أهم ما تم الاتفاق عليه في هذا الميثاق هو:
1 ـ تخفيض التعرفة الجمركية على (5000) سلعة تشكل 20 في المائة من التجارة العالمية والتي كانت لا تزيد قيمتها في ذلك الوقت على (50) مليار دولار أمريكي.
2 ـ وضع صيغة قانونية لقواعد تنفيذ بنود الميثاق بما يحمي حقوق الأطراف المتعاقدة.
3 ـ النظر في أنظمة العمل والعمال والاستثمار وبعض قطاعات الخدمات.
خلال أعمال المؤتمر أبرقت وفود الدول المشاركة إلى جهاتها الرسمية في بلادها تمهيداً لعرض بنود الميثاق عليها بهدف اعتمادها ومن ثم تزويد أمانة المؤتمر بالموافقة الرسمية، فوجئت هذه الوفود برفض معظم الجهات التشريعية في دولها ومنها الكونجرس الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية، بعض بنود الميثاق التي أتضح أنها لا تتماشى مع مصالحهم والتي قد تؤدي إلى فقدان السيادة على سياسات أوطانهم التجارية. يذكر التاريخ أن الأطراف المتعاقدة، وإن خشيت في الوقت نفسه من فقدان الأمل في التوصل إلى اتفاق مرضي بينها، لم تقتنع بأسباب هذا الرفض وخاصة الرفض الأمريكي. في الواقع كانت الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال سياستها الخارجية، تسهم بشكل كبير في جمـيع مجالات التجارة العالمية، إلا أنها في الوقت نفسه لم يسبق لها أن شاركت في وضع السياسـات التجارية الدولية. ذلك لأن اهتمام الإدارة التنفيذية الأمريكية Executive Branch كان يصب في توجيه السياسة الأمريكية الخارجية ومنها زيادة التبادل التجاري بين الدول، بينما كانت مسؤولية الكونجرس الأمريكي التشريعية تنحصر في التنظيم القانوني لترويج الصادرات الأمريكية وتوفير أقصى حدود الحماية للتجارة الأمريكية. ولقد أدى هذا التبـاين بين المسؤوليات إلى تضارب مصالح السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في الدولة الأمريكية ودفعها في الأعوام (1934 ـ 1940) إلى إبرام الاتفاقات الثنائية للتبادل التجـاريBilateral Trade Agreements عن طريق تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل Reciprocity مع الشركاء التجاريين فقط، والتي أسهمت لاحقاً في تعزيز مبدأ حـق الدولة الأولى بالرعاية Most Favored Nation Treatment، أي معاملة جميع الأطراف في الاتفاق بالمثل من دون تمييز.