منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (38)
مؤتمر بريتون وودز (نيوهامبشير 1944م)
لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي تكبدت الأطراف المتناحرة خلالها أكثر من 58 مليون قتيل وتفاقمت تكاليفها المالية لتزيد على ألفي مليار دولار، أسدل الستار على أسوأ حقبة عرفها التاريخ البشري ابتداء من اشتعال الحرب العالمية الأولى، مروراً بالكساد الاقتصادي العالمي وانتهاء بتوقيع اتفاقية استسلام اليابان بتاريخ 2 أيلول (سبتمبر) 1945م بعد إلقاء القنبلة النووية الأولى على مدينة (هيروشيما) في 6 آب (أغسطس) 1945م. كانت ألمانيا أول الدول التي استسلمت في هذه الحرب بتاريخ 7 أيار (مايو) 1945م، بعد (26) يوماً على وفاة الرئيس الأمريكي (روزفلت) وتنصيب (هاري ترومان) Harry Truman رئيساً للولايات المتحـدة الأمريكية.
قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت الدول الحليفة، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي أيقنت أن النصر حليفها، تعد العدة لما بعد الحرب، حيث التقى 730 من خبراء المال والاقتصاد والتجارة والقانون، يمثلون 44 دولة من دول الحلفاء، خلال الأسابيـع الثلاثة الأولى من شهر تموز (يوليو) 1944م في منتجع (بريتون وودز) Bretton Woods في ولاية (نيوهامبشير) New Hampshire الأمريكية، كان هدف اللقاء يرمي إلى ترسيخ مفهوم العالم الواحد One World عن طريق الدعوى إلى إنشاء ثلاثة مؤسسات دولية تحمل اسم البنك العالمي لإعادة الإعمار والتنمية International Bank for Reconstruction and Development، أعيدت تسميته لاحقاً ليصبح معروفاً باسم البنك الدولي World Bank، واختصاراً WB وصندوق النقد الدولي International Monetary Fund واختصاراً IMF إضافة إلى ما كان يعرف بالمنظمة العالمية للتجارة International Trade Organization واختصاراً ITO، أعيدت تسميتها لاحقاً لتصبح معروفة باسم منظمة التجارة العالمية World Trade Organization واختصاراً WTO.
كان الوفد الأمريكي مهيمناً بوضوح خلال اللقاء، ليس كونه يمثل أكبر قوة على وجه الأرض، التي لولاها لسقطت أوروبا في يد الزعيم النازي، بل لأن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من الحرب العالمية الثانية دون خراب أو دمار يذكران، على عكس أوروبا وروسيا واليابان. كان المارد الأمريكي يملك 80 في المائة من مخزون الذهب العالمي و90 في المائة من الاستثمارات الدولية، وينتج 50 في المائة من الفحم، و60 في المائة من الكهرباء و75 في المائة من النفط في العالم، إلا أن هذه القوة الاقتصادية العظمى لم تكن لتنجح مستقبلاً إذا لم تتوافر لها الأسواق المفتوحة لامتصاص إنتاجها الصناعي وخيراتها الزراعية وثرواتها الطبيعية. لذا كان من الطبيعي أن ينادي الوفد الأمريكي في هذا اللقاء بترسيخ مفهوم الرأسمالية Capitalism في جميع دول العالم لتحقيق مبدأ الاقتصاد الحُر وتوفير انفتاح الأسواق التجارية التي سوف تؤدي حتماً إلى تسهيل نفاذ الصادرات الأمريكية في الأسواق العالمية.
خلال هذا اللقاء، الذي أطلق عليه فيما بعد مؤتمر (بريتون وودز)، وضحت الرؤية المستقبلية للدول الحليفة المنتصرة. قامت وفود هذه الدول بتكريس أولوياتها من أجل وضع التنظيم المناسب للمؤسسات الدولية الثلاث وبناء الاقتصاد العالمي لتحقيق النجاح والازدهار لشعوب الأرض كافة عن طريق ترسيخ مبدأ العالم الواحد والذي أصبح يعرف لاحقاً، بعد انتصار الرأسمالية على الشيوعية، بمفهوم النظام العالمي الجديد. لم يكن مستبعداً أن يكون التحضير والتخطيط لهذا المؤتمر قد بدأ في باريس عام 1919م حيث كان (تشيرشل) في ذلك الحين وزيراً للحرب والطيران في حكومة (لويد جورج) وكان قائد قوات الحلفاء الجنرال الأمريكي (روزفلت) مشرفاً على الإمدادات والمؤن التي تقدمها أمريكا لحلفائها في عهد الرئيس الأمريكي (ودرو ويلسون)، وجميعهم شارك في مؤتمر السلام المنعقد في باريس بعد الحرب العالمية الأولى، كما تأتي أهمية مؤتمر بريتون وودز في أعقاب التوقيع على ميثاق الأطلسي بين (روزفلت) (وتشيرشل) في عام 1941م. لذا قام خبراء الوفد الأمريكي المشارك في مؤتمر (بريتون وودز) بعرض خططهم التي أعدوها منذ سنوات طويلة وأطلقوا عليها اسم خطط وايت، White Plans تقديراً لمدير عام دائرة الأبحاث المالية في وزارة الخزانة الأمريكية في ذلك الوقت (هاري ديكستر وايت) Harry Dexter White الذي توصل في أبحاثه إلى ضرورة إنشاء هذه المؤسسات الثلاث التي عرفت بمؤسسات (بريتون وودز). كما وقف الاقتصادي البريطاني المخضرم (جون مينارد كينز) John Maynard Keynes ينادي وفود الدول المشاركة في المؤتمر بضرورة إبرام صفقات فتح أسواقها اقتصادياً ومالياً وتجارياً حتى لا يضرم الكساد نار حرب ضروس أخرى قد تكون أكثر وبالاً من الحروب التي سبقتها.
كان الغرض من إنشاء البنك الدولي World Bank منح القروض المالية اللازمة لإعادة إعمار ما أفسدته الحرب العالمية الثانية وانتشال الدول الأوروبية المدمرة من الكساد الاقتصادي المتوقع، شارك في تأسيسه أثناء المؤتمر 38 دولة مانحة، منها دولة العراق الغنية في ذلك الوقت، برأسمال قدره 7.7 مليار دولار. أما صندوق النقد الدولي International Monetary Fund فكان يهدف إلى تشجيع التعاون النقدي الدولي وتسهيل توسع النمو المتوازن للتجارة الدولية وتصحيح العجز في ميزان المدفوعات واستقرار أسعار النقد الأجنبي وشارك في إنشائه 29 دولة برأسمال قدره 8.8 مليار دولار.
انتهى مؤتمر (بريتون وودز) في الأسبوع الثالث من تموز (يوليو) 1944م بالاتفاق بين وفود الدول المشاركة على إنشاء مؤسستين فقط من مؤسسات (بريتون وودز) هما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بينما فشلت هذه الوفود في الاتفاق على إنشاء المؤسسة الثالثة وهي المنظمة العالمية للتجارة. كان من المستحيلات المسلم بها أن توافق الدول المشاركة في مؤتمر (بريتون وودز) على إنشاء المؤسسات الثلاث في وقت واحد، خاصة أن أقطاب الصراع على التجارة الدولية لم يكونوا في ذلك الوقت على استعداد لخوض المفاوضات التجارية.
بدأت وفود الدول المشاركة ـ ومنها الوفد الأمريكي ـ بحزم حقائبها للعودة إلى عواصمها والبدء في اتخاذ الخطوات الضرورية لتوثيق الاتفاقات المبرمة. واجه الرئيس الأمريكي روزفلت وأقطاب حكومته مقاومة شرسة في الكونجرس الأمريكي، حيث احتج المناهضون لاتفاقات (بريتون وودز) على إنشاء المؤسستين المتفق عليهما واتهموها بأنها ستقدم القروض والإعانات للدول الهالكة في الحرب العالمية الثانية، ومنها أوروبا، والتي لن تستطيع سدادها لاحقاً، وبالتالي ستصبح في حال أكثر فقراً ومديونية مما كانت عليه. إلا أن أصدقاء (روزفلت) في مجلس الشيوخ الأمريكي وحسن تصرف (هاري ديكستر وايت) صاحب فكرة المؤسسات الثلاث إضافة إلى تخوف الشارع الأمريكي من قيام حرب عالمية أخرى، أدى في نهاية المطاف إلى موافقة الكونجرس الأمريكي على اتفاقيتي (بريتون وودز) الخاصة بإنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.