القهوة طقس يفسده السُّكّر والأسماء العابرة

القهوة طقس يفسده السُّكّر والأسماء العابرة

"القهوة هي مفتاح النهار هي أن تصنعها بيديك لا أن تأتيك على طبق لأن حامل الطبق هو حامل الكلام والقهوة الأولى يفسدها الكلام". هكذا يصف الشاعر محمود درويش علاقته اليومية بالقهوة وغيره كثيرون إلى هذا اليوم يوافقونه - خصوصا - في كونها "مفتاح النهار". ولكن ماذا عن صانع القهوة الأولى وحاملها؟ وماذا عن "الكلام" الذي يفسدها؟ هل لا يزال هنا في عصر "ستار بكس" وغيره من "أسماء" و"علامات" بيوت القهوة الشهيرة، من يطيق صنعها بنفسه، وعلى مهل، كما يفعل درويش أو كما كان يوصي القاضي محمد العبدالله في قصيدته الشعبية الشهيرة:
"احمس ثلاث يا نديمي على ساق...
ريحه على جمر الغضى يفضح السوق
وإياك والنيه وبالك والإحراق...
واحذر تصير بحمسة البن مطفوق”.
"ستار بكس" كغيره من الشركات "المطفوقة" (السريعة) لم يعبر كل هذه الحدود ليبقى صامتا حين يناولك كوب القهوة. بل إنه يتفنن في كثير من فروعه حول العالم بكتابة اسمك عليها، بعد سؤالك أمام الملأ عنه. بلغة "ستار بكس" الأم طبعا، وليس بلغتك. ليناديك صانعها باسمك في لفتة "تقدير" بزعمه، و"تسويق" بظنك؛ كي تحملها بنفسك.
وهنا تتنفس الصعداء، فها هو حق من حقوقك الضائعة في هذه القهوة، الغريبة عنك، برائحتها ونكهتها، يعود إليك. وها أنت تحمل قهوتك الأولى، يزينها اسمك، الذي اختاره لك والداك أو جدك أو غيرهم، لا يهم. المهم أنه مكتوب، وإن كان بحرف أجنبي تملؤه الأخطاء، ونطق مشوّه، تستنكره الآذان، إلا أنه توثيق مقبول. هذا ما تذكّر نفسك به، حتى لا يضيع حقك الأخير في زحمة "الجغرافيا" وحدودها التي لم يعد هنالك ما يضبطها.
وبينما تصّر بينك وبين نفسك على التزام الصمت، مرة أخرى، حتى لا تفسد لحظتك الأولى مع هذه القهوة. يأتيك صوت الغريب الواقف إلى جوارك برجاء مناولته كيسا صغيرا من السكر. تمد يدك لتناوله ما طلب، لكنك في قرارة ذاتك تعلم أن القهوة لا يفسدها الكلام كما يدّعي درويش ولكن القهوة يفسدها السؤال العابر والسّكّر، حتى وإن لم تكن "عربية" اعتادت المرّ والمرارة.
"نكهة القهوة ورائحتها لا يفسدها شيء بقدر ما تفسدها حلاوة السكر وذوبانه المراوغ". هذه قناعتك التي لم تتغير برغم أنواع القهوة التي تغيرت في حياتك وتبدلت، بعدد المدن التي زرتها أو زارتك، كما يفعل "ستار بكس" اليوم في عقر دارك. ولكنك مع ذلك تلتزم الصمت ولا تخبره بما يدور في ذهنك. إذ ما زلت تصغي لوصية درويش مرددا "لا شيء يستحق أن تفسد لحظتك مع قهوتك الأولى هذا الصباح".
تأخذ مكانك في المقهى وعيناك تمسحان بحركة "بانورامية" معتادة ما حولهما. فتكتشف أنك لست الصامت الوحيد. كثيرون من حولك صامتون. حتى الذين جلسوا أمام أصدقائهم صامتون. صمت تخترقه من لحظة لأخرى صافرات مستفزة تنذر بوصول رسالة جديدة أو أخرى أجد. عالم صامت وكلام مكتوب، تتناقله هذه الأجهزة التي لا يملك أحد إلا أن يتسمّر أمام شاشاتها اللامعة وأسمائها العابرة. في طفرة جديدة لا تدري ما وصفها الأدق: أهي صمت الكلام أم كلام الصمت؟ وأنت في حيرتك تكتشف أن لديك أيضا الكثير من التنبيهات لأسماء كثيرة، لم تطلع عليها بعد، إذ كنت مشغولا عن "صمتك" بكتابة هذه الرسالة!

الأكثر قراءة