الإسلام دين وقع عليه التطرف وليس مصدرا له
لا يصعب على المتتبع بشكل عام لحال الإسلام والمسلمين أن يدرك مدى التداخل الوثيق، خاصة في السنوات الأخيرة بين مسألتي:
1. علاقة الإسلام كأيديولوجية دينية ظهرت في القرن السابع الميلادي في شبه الجزيرة العربية مع عالم اليوم وما يتميز به من تقدم علمي وتقني وأسس معرفية.
2. علاقة أتباع الدين الإسلامي المتوترة مع الشعوب الأخرى، إذ إن المسألة الأولى تطفو على السطح متصدرة خطاب غير المسلمين كحصيلة لتفاصيل توترات الثانية، وتبدو كما لو أنها الأكثر إلحاحا منها إلى التناول من أجل حصول نقلة نوعية تسهم في مد جسور التفاهم أو التوصل إلى صيغة تعامل مرضية بين المسلمين وبقية شعوب العالم. في الواقع، لا يبتعد عن الدقة من يهتم بإبراز نسب الإسلام إلى عصر نحن عنه بعيدون، بل يقترب من الصواب أكثر حينما يقول بضرورة إجراء إصلاح ديني على غرار ما حصل في الأديان الأخرى كي يصبح الإسلام متناسبا، ومتماشيا، مع متطلبات العصر ومستلزماته (مع العلم أن عوائق الإصلاح الديني في الإسلام كثيرة حاليا)، بيد أن الوجه الحقيقي للمشكلة ليس فقهيا متأصلا في تعاليم الإسلام بقدر ما هو اجتماعي وسياسي يتعلق بواقع المسلمين.
لعل التناقض بين رؤيتي المعنيين خارج الدائرة الإسلامية وبين المسلمين في قراءة علاقة الدين الإسلامي بالعنف يلقي بعض الضوء على المشكلة المطروحة، ففي حين يرى البعض أن الدين الإسلامي هو مصدر للعنف، يشدد المسلم على أن دينه يدعو إلى السلام وعدم العنف. ويتعقد الأمر عند تناول نصوص قرآنية معينة أو مفردات كـ "القتال" و"الجهاد"، على سبيل المثال، فتعني لأصحاب الرأي الأول آنف الذكر غير ما تعنيه للمسلمين الذين يرفضون الدلالة الحرفية والمعجمية للكلمة والنص ويظهرون عوضا عن ذلك تفسيرات تنحصر في دائرة العبادة والفروض الدينية والعلاقة بين المؤمن وربه. إلا أن الأمر يصبح أكثر إثارة للجدل حين يظهر التناقض في فهم ذات النص وذات التعابير بين مسلم يلجأ إلى العنف (لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية) فيكيف مفاهيمه لتتناسب مع خطواته ومسلم آخر يبقي على فهمه ونهجه بأن الإسلام ليس مصدرا للعنف فيبدو الأمر محيرا للمراقب الذي يتناهى إليه مفهومان متناقضان للنص نفسه وتأثيره في إنتاج العنف أو عدمه من قبل طرفين مسلمين. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا يتمثل في الدافع إلى اكتساب ذات النص أو التعبير معنيين متناقضين في الوقت نفسه.
لا نحتاج إلى الفحص الدقيق لإدراك أن وضع المسلمين، أفرادا كانوا أم جماعات، ليس هو الأفضل خاصة في أيامنا هذه، إذ إنه آخذ في التدهور من سيئ إلى أسوأ في ظل بعض الأنظمة الحاكمة إلى أمد لا تلوح نهايته في الأفق بفعل استماتتها للحفاظ على أنفسها وانعدام الحريات العامة، ناهيك عن سوء توزيع الثروة وانتشار الفساد والفقر والجهل والبطالة، إضافة إلى ما يواجهونه من نزاعات وصراعات إقليمية تبدو حلولها أكثر من مستعصية. وسط هذا المناخ المحمل بالضغوط والكبت والقمع واليأس من عدم حصول تغيير، لا يبقى للفرد أو للجماعة، إلا البحث عما يمكنهم الاستناد إليه والتعبير من خلاله عن امتعاضهم وتذمرهم مما هم فيه، فمن الواضح أن جدار الاستناد وتسجيل الاحتجاج يصبح، في معظم الحالات، الدين. والدين، بهذا السياق، ما هو إلا بعد رمزي لعمل اجتماعي والالتفات إليه لا يعني بأي شكل من الأشكال الهروب من المعضلات الوجودية للحياة عامة إلى عوالم سماوية مجردة من عواطف الدنيا بل إنه، وعلى العكس تماما، انخراط في وسطها. والدين يغدو الأداة التي يطورها الإنسان وهذا التطوير يتحدد، كما ذكرنا أعلاه، طبقا للوضع السياسي والاقتصادي والنفسي للمطور وبالتالي للشكل الذي سيأخذه "دينه"، فإما أن يأخذ منحى إيجابيا يتعامل بموجبه مع بقية البشر، ما يجعل مسلما يرى المسيحي واليهودي "أهل الكتاب" فيجيز التعامل والتزاوج معهم ومنهم وإما أن يكون سلبيا وعدائيا يصل إلى حد التطرف والإرهاب تجاههم، ما يجعله يرى في المسيحي واليهودي أعداء "كفارا" يجب "الجهاد" ضدهم. من الناحية النفسية يحمل اللجوء إلى الدين إلى تبرير التطرف شيئا من مواساة الذات. ولهذا فإن الدين هنا موقع للتطرف وليس مصدرا له.
بكلام آخر، تحمل نظرتنا كثيرا من الاعتباطية وتغريبا للواقع حين نميل إلى رؤية الدين الإسلامي (أو أي دين آخر) كعلم اجتماعي قائم ونبحث عن قوانين ومعان في ذلك العلم اعتقادا منا أنها المحددة لسلوك ونهج معتنقيه، بل، وعلى العكس تماما، فإن "القوانين" و"المعاني" ليست مثبتة وجاهزة وإنما تكتسب وفقا للمكان والزمان ومجمل الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها هذا الإنسان العالق بشبكات مفاهيم أهميتها كانت بالمطلق من نسجه واستنباطه، والدين يصبح بالتحديد منظومة مفاهيم مكتسبة وليس علما تحدد قوانينه أنماط سلوك معتنقيه.
أخيرا، إن المشكلة تكمن في أن التمترس بالدين كملاذ أخير يفرض تناقضا ـ بل انفصاما، لا يمكن تجاهله ـ بين المرء ذي الوضع الساكن (إذا جاز التعبير)، في الشكل الذي عرضنا له أعلاه، وبين العالم دائم الحركة، ما يبرز الأسئلة التي تتمحور حول تشخيص الحالة وطرق إيجاد الحلول لها! فنرى بيننا من العلمانيين من يلجأ إلى أسلوب الصدمة، ليس فقط عبر محاولة إبراز العلاقة بين التطرف والنص الذي اتخذه المتزمت كموجه لآليات عمله وبالتالي الطلب بتغيير النص الديني والمناداة بضرورة إيجاد إصلاح ديني، بل أيضا بمواجهة الشخص المعني بفداحة نهجه. إلا أن الحل الحقيقي يكمن في تحديد مواقع الغبن والظلم والعمل الحثيث على إزالتها لتكون النتيجة تهيئة أفراد وجماعات تنتمي إلى الدنيا وتوازن بطيب خاطر ما بين دينها ودنياها.
* كاتب سوري مقيم في ألمانيا