منظمات المجتمع المدني والدور الخفي في دعم الإرهاب

منظمات المجتمع المدني والدور الخفي في دعم الإرهاب

تصاعد الجدل بشأن تقييم دور منظمات المجتمع المدني أو جمعيات النفع العام أو المؤسسات الأهلية أو التنظيمات غير الحكومية أو القطاع الثالث في الدول العربية، سواء أكان سلبيًّا أو إيجابيًّا، خلال السنوات الأربع الماضية التي تلت اندلاع الثورات العربية، خاصة بعد الاتهامات التي وُجهت إلى بعضها في العديد من الدول باعتبارها حاضنة لتمويل التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة مثلما حدث في مصر مع اتهام بعضها بتمويل جماعة "الإخوان المسلمين"، فضلا عن اتهامها في بعض الدول بانتهاك القوانين المنظمة لعمل الجمعيات الأهلية، وهو ما أدى في النهاية إلى اتساع نطاق الخلافات بين منظمات المجتمع المدني والحكومات في بعض الدول مثل تونس والسودان والكويت والسعودية.
ولهذا، ووفقا لدراسة أعدها المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة، فقد بدأت الحكومات في بعض الدول العربية اتخاذ خطوات لتحجيم دور تلك الجمعيات، من أبرزها إجراء عمليات تدقيق ومراجعة لأموال بعض الجمعيات الأهلية، وتشديد العقوبات على عمليات التمويل في التشريعات القائمة، وإغلاق وتجميد أنشطة بعض المنظمات والجمعيات، وصياغة تشريعات جديدة لمراقبة عمل تلك الجمعيات. لكن على الرغم من ذلك لا تزال جهود التحجيم تواجه عقبات عديدة.
اتهامات متعددة
تُواجه منظمات المجتمع المدني اتهامات رئيسية من قبل الحكومات في المنطقة العربية، أولها يرتبط بدورها في تهديد الأمن القومي، وثانيها يتمثل في خرقها منظومة النظم واللوائح والقوانين المطبقة في بعض الدول بخصوص أسلوب وماهية عمل هذه المنظمات، وثالثها يتصل بغسيل وتبييض الأموال، ورابعها ينصرف إلى أنها تسيء إلى السمعة والصورة الدولية للدولة التي توجد فيها المنظمة، ويمكن تناول ذلك على النحو التالي:
1 - دعم وتمويل التنظيمات الإرهابية والقوى المسلحة المعارضة: فعلى الرغم من عدم وجود تقارير ومعلومات رسمية تؤكد ضلوع منظمات المجتمع المدني - ولا سيما الخيري منها- في دعم وتمويل الإرهاب، فإن التقارير غير الرسمية تُشير إلى تقديم عدد من المنظمات الخيرية - خاصة في مصر - دعمًا لجماعة "الإخوان المسلمين" بعد 30 يونيو. وفي تونس أيضًا واجهت الجمعيات الخيرية ذات الوفورات المالية الضخمة اتهامات بتقديم دعم مالي ولوجيستي ومعلوماتي للجماعات التي تقوم بعمليات إرهابية، وتأسيس شبكات لتجنيد وتسفير الشباب للمشاركة في الحرب في صفوف تنظيم "داعش" في كلٍّ من سورية والعراق وليبيا.
2 - انتهاك قانون الجمعيات المطبق في الدولة: ويتجلى ذلك بوضوح في حالة السعودية التي قامت سلطاتها بإغلاق 20 جمعية خيرية في المنطقة الشرقية في منتصف نوفمبر 2014، بعد أن وجهت لها تهمة جمع التبرعات عبر المراكز والنقاط غير النظامية وغير المرخصة، وهو ما يُعد مخالفًا لقرار وزارة الداخلية الذي يتضمن منع إقامة المراكز التعريفية لجمع التبرعات التابعة للمؤسسات والهيئات والجمعيات الخيرية، ومراجعة الجهات المختصة لتعديل أوضاعها.
3- أداة لغسيل وتبييض الأموال: حيث يتم استخدام منظمات المجتمع المدني كوسيلة لتبيض الأموال وإخفاء مصادرها غير المشروعة عبر اتخاذ المنظمات واجهة لها. وقد دفع ذلك السلطات الكويتية، على سبيل المثال، إلى اتخاذ عدة إجراءات لمراقبة مصادر تمويل منظمات المجتمع المدني، كان أبرزها إصدار قانون رقم 106 لعام 2013 لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب كبديل للقانون السابق الذي صدر عام 2003 لمواجهة أوجه القصور، فضلا عن اللائحة التنفيذية له التي تضمنت زيادة عدد الجهات الرقابية، ولا سيما وزارة التجارة والصناعة، خلافًا للجنة الوطنية لمكافحة عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
4- الإساءة للسمعة الدولية للدول: أصبحت بعض منظمات المجتمع المدني، ولا سيما التي تتهم بدعم الإرهاب والأنشطة غير المشروعة في كل من قطر والكويت، أداة للإساءة لسمعة الدولة على الصعيد العالمي، بحيث أصبح هناك ما يُسمى "نقاط التمويل" للحركات الإرهابية في المنطقة العربية، وهو ما دفع تلك الدول إلى اتخاذ خطوات تصعيدية تجاه تلك المنظمات المسيئة بهدف استعادة ثقة المجتمع الدولي مرة أخرى.

إجراءات التحجيم
مع اتساع نطاق عدم الاستقرار السياسي داخل المنطقة العربية بعد الثورات، وزيادة الاتهامات الموجهة لتلك المنظمات بشأن دعم بعضها للعمليات الإرهابية؛ بدأت الحكومات في عدد من الدول العربية في اتخاذ حزمة من الإجراءات بهدف تحجيم النشاطات غير المشروعة لها، ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
1 - إجراء تدقيق ومراجعة أموال بعض الجمعيات الأهلية، فقد بدأت الحكومة التونسية بمباشرة تحقيقات موسعة بهدف مراجعة وحصر أموال منظمات المجتمع المدني في أبريل 2015، وذلك بالتعاون مع البنك المركزي التونسي الذي كلف لجنة بمتابعة الوضع المالي لعدد كبير من الجمعيات الخيرية الإسلامية لمعرفة مصادر الأموال التي تتلقاها من الخارج، وقد كشف التحقيق عن أن 20 جمعية فقط من إجمالي 17 ألف تحترم قانون الجمعيات.
2 - تشديد العقوبات على عمليات التمويل في التشريعات القائمة، وذلك عبر مراجعة بعض القوانين القائمة بالفعل مثلما حدث في حالة مصر، حيث تم تعديل المادة (78) من قانون العقوبات في سبتمبر 2014، ونص التعديل الجديد على تجريم "كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو ممن يعملون لمصلحتها أو من شخص اعتباري أو من منظمة محلية أو أجنبية أو أي جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها، أموالا سائلة أو منقولة أو عتادًا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر أو ما في حكمها أو أشياء أخرى أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو ما في حكمها أو أشياء أخرى أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام". ونصت تعديلات المادة على العقوبة بالسجن المؤبد وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه "إذا كان الجاني موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة أو إذا ارتكب الجريمة في زمن الحرب أو تنفيذًا لغرض إرهابي"، وهو ما يعد خطوة في اتجاه الحيلولة دون اتساع ظاهرة التمويل الأجنبي غير المشروع لبعض منظمات المجتمع المدني في مصر.
3 - إغلاق وتجميد أنشطة بعض المنظمات والجمعيات، حيث تبنت حكومات عدد من الدول هذا الأسلوب، ومنها على سبيل المثال كل من تونس ومصر والسودان؛ إذ قامت السلطات التونسية على خلفية أحداث جبل الشعانبي في عام 2013 بتجميد عمل 150 جمعية، وتكرر الوضع ذاته في مصر وتحديدًا بعد 30 يونيو بعدما قامت السلطات المصرية بإغلاق وتجميد عمل ما يزيد على 500 جمعية بسبب ارتباطها بجماعة "الإخوان المسلمين" وذلك في أقل التقديرات، حيث بلغت في تقديرات أخرى ما يزيد على ألف جمعية. ويضاف إلى ذلك ما شهدته منظمات المجتمع المدني السودانية، فوفقًا لتقرير صادر في أبريل 2015 عن منظمة العفو الدولية، فإن ما لا يقل عن 12 مكتبًا لمنظمات المجتمع السودانية تتعرض للمراقبة المستمرة من قبل الأجهزة الأمنية، إضافة إلى قيام السلطات بإغلاق ثلاث منظمات، وتهديد خمس منظمات أخرى بالإغلاق الوشيك.
4 - صياغة تشريعات جديدة لمراقبة عمل تلك الجمعيات، إذ انتهت السلطات الرسمية المصرية في أبريل 2015 من صياغة قانون جديد لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية في محاولة لتحجيم مصادر التمويل، والحيلولة دون استخدامها لتهديد الأمن القومي للدولة، وهو القانون الذي رفضه عدد كبير من منظمات المجتمع المدني في مصر، ما أدى إلى حدوث توتر في العلاقة بين الدولة والمنظمات غير الحكومية.
والخلاصة، التي تصل لها هذه الدراسة أنه يمكن القول إنه على الرغم من اتخاذ بعض الحكومات العربية خطوات حثيثة بهدف تحجيم ظاهرة التمويلات الأجنبية لبعض منظمات المجتمع المدني التي تستخدم في تمويل الإرهاب وإثارة الفوضى واستدامة عدم الاستقرار، فإن تلك الجهود تواجه عدة إشكاليات: يتمثل أولها، في الافتقار إلى وجود آليات فعالة لمتابعة مصادر التمويل وعمليات الصرف بشكل دقيق، خاصة مع الزيادة المطردة في أعدادها، والتداخل الكبير بين أغراض تأسيسها. ويتعلق ثانيها، بالعلاقة بين مؤسسات التمويل الخارجية والمنظمات في الداخل، خصوصًا مع وجود التزامات دولية تعطي الحق وفقًا للمواثيق الدولية بتلقي أموال من الخارج لأغراض تنموية وإنسانية.

الأكثر قراءة