الأمهات لا يضرن
يطمح طالب الصيدلة في جامعة جازان إبراهيم ناصر شماخي، منذ أن كان طالبا، أن يعمل في مستشفى كبير. تتيح له المستشفيات الكبيرة أن يلتئم بأطباء وصيادلة وإخصائيين يضيفون إلى حلمه أحلاما. تمنحه هذه المستشفيات فرص متابعة دراسته العليا وملاحقة طموحاته الجامحة. قدم فور تخرجه إلى مستشفى الحرس الوطني في الرياض. دخل اختبار التخصص واجتازه بامتياز. تخطى اختبار اللغة الإنجليزية بسلاسة. حان موعد المقابلة الشخصية. خرج من المقابلة وهو ممسك بخطاب الحصول على الوظيفة التي كان يمني النفس بالقبض عليها منذ نعومة أحلامه. تسطع ابتسامة إبراهيم كلما أشرق على مستشفى الحرس كشمس يحس بأشعتها كل الذين يعبرون طريقه. تهطل السعادة من وجهه على هيئة كلمات جميلة يوزعها على زملائه والمرضى بحبور. أحب العمل جدا. صار وجهه المبتهج فاتحا لشهية رفاقه للعمل والأحلام. وسط هذه الأفراح الجماعية كانت أمه حزينة جدا. تفتقد ابنها البار إبراهيم. تتوق إلى ابتسامته التي يلوح بها كل صباح. عمله في الرياض بعيدا عن جازان، مسقط حضنها أشعل حزنها. كلما هاتفها إبراهيم بكت ولم تكمل المكالمة. أحس إبراهيم بأنه ارتكب ذنبا عظيما؛ كونه تركها تتنازعها الآلام، وتنهشها مخالب الفقدان. قرر أن يضمد جراح أمه. كيف يداوي أوجاع الغير، وهو يوجع نوارة فأله بغيابه. قدم استقالته وحزم حقائبه متجها شطر أمه. أشعل قراره غضب أبيه. سأله: كيف تترك حلمك وتعود؟ أين ستجد ملاذا أفضل؟ أمك تحبك ولا ترضى أن تشاهدك تنفصل عن حلمك وتتشرد طموحاتك. لم يرد إبراهيم عليه أبدا. يكتفي في كل مرة يتلقى فيها سهما من أبيه أن يبتسم ويحتضن أمه التي أصبحت ترافقه كظله منذ أن عاد إليها. تخشى دون أن تنبس ببنت شفة أن يذهب ويتركها. تعطره بدعواتها ودهن عودها الذي التصق بثيابه. في غمرة أسى أبيه تلقى إبراهيم اتصالا من المستشفى الجامعي في جامعة جازان. يسأله أن يأتي. هناك فرصة وظيفية في انتظاره. اجتاز الاختبارات التأهيلية وظفر بالوظيفة. كان سعيدا لكن ليس جدا. فهو لن يتمتع بالبعثة التي كان قريبا منها في الرياض. لكن فور أن قابل وكيل الكلية اكتملت فرحته. أبلغه بعد أن رحب به قائلا: فخورون بك يا إبراهيم. سنبتعثك قريبا وسنعتني بموهبتك. طار إبراهيم من السعادة. حلق في فضاء أمه. بكى برفقتها ومعها. الأمهات لا يضرن.