«الحداثة» .. منظومة من صنع القوى العظمى تجاوزها التاريخ
يثير كتاب عبد الله حمودي "الحداثة والهوية .. سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول الدين واللغة" – الصادر حديثا؛ شهر نيسان (أبريل)، عن المركز الثقافي العربي – كثيرا من الأسئلة التي يقف اليوم أمامها العالم العربي، وعلى رأسها سؤالا الحداثة والهوية. وينتخب الباحث السياق المغربي بأسئلته المتشابكة والمركبة والبالغة التعقيد في بعض الأحايين ميدانا للدراسة والبحث، بحكم عوامل عدة من أبرزها عامل الانتماء؛ فهذا الأنثربولوجي في جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية ينحدر من جنوب المغرب، وله أبحاث عديدة حول المغرب، لعل أشهرها "الشيخ والمريد .. النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة" الذي صدر قبل عقد ونصف من الزمن.
طبعا من العنوان يظهر أن الباحث يمدد أسئلته إلى مبحثي الدين واللغة، لتتقاطع بذلك في الكتاب أربعة موضوعات محورية تكاد تنفصل عن بعضها البعض كمباحث (الحداثة، الهوية، الدين، اللغة)، لكن ما انفكت تتداخل - في السياق العربي عموما والمغربي منه بالخصوص – من جديد لتكون الفصول الأساسية في الكتاب، مؤطرا إياها برؤية معرفية تراكمية من منظور أنثروبولوجي، وفق منهج الشك الإيجابي – أعلن عنه الكاتب في مستهل الكتاب - الذي يمكن من نقد المسلمات، ثم معاودة النظر المستدامة في الوقائع وكيفية ربطها، ما يساعد على تفادي السقوط في الحلقات التأويلية المفرغة.
يأتي هذا الكتاب في سياق مغربي محموم؛ بأسئلة كبرى يتصدرها سؤال الحداثة بفعل القوة الناعمة التي تمارسها عليه أوروبا، يسيطر عليه توجه فكري يحكم المجتمع، ينزع إلى اختزال الخصم وتحجيمه وإلباسه بعض الصفات الجاهزة، إما بغرض إقصائه وتنحيته من الصراع، وإما بغرض إراحة الذات من عناء التفكير وطرح الأسئلة. هذا الأمر هو ما تمارسه بعض الحركات الأصولية في التصورات التي تصوغها عمن يعمد إلى تقديم موقف نقدي منها، فتصير إلى نعته بـ"معاداة الدين" والكيد لأهله، محاولة بذلك تأليب العامة عليه تحت هذا المسمى، ولكن هذا السلوك أيضا هو عينه الذي تنهجه بعض الحركات الموسومة بالحداثية، حين تنزع إلى اتهام خصومها بمعاداة الحداثة ومناهضتها وما إلى ذلك من أوصاف.
يصوب الباحث سهام النقد والمساءلة صوب الفسطاطين معا، داعيا كلا منهما إلى ضرورة إعادة صياغة المنهج والتنظير في علاقة إشكالياتنا مع التراث من ناحية، ومع الرصيد الذي ورثناه من التجربة الأورو-أمريكية من ناحية أخرى، عن إكراه أو طواعية. فعلاقة هذه الشعوب وثقافتها بالمسار الأوروبي - من وجهة نظره - تحولت منذ قرون إلى "علاقة ضعف" نظرا إلى الاختلال في موازين القوى؛ ومن ثم فإنه كثيرا من المشاريع المقدمة في الماضي والحاضر لا تعدو أن تكون سوى رد فعل فقط، ما يجعل تلك الشعوب في موقف دفاع بدلا من موقع التوازن والقوة.
#2#
"يبدأ البديل في نظري من الشعور بأننا مقحمون منذ زمن بعيد في منظومة هي من صنع القوى العظمى. وهي منظومة أطلق عليها "اسم الحداثة"، وعلى ترتيب الأشياء حسب مساطرها اسم "التحديث"، أو الإصلاح بالتحديث". الوعي النقدي هو المدخل الذي يقدمه عبد الله حمودي نقطة لارتكاز يمكن لهذه الشعوب أن تشرع فيها كي تخط مسارها حداثتها.
فالحداثة - من وجهة نظره - واقع تاريخي؛ أسهمت عوامل شتى في تشكيل واقعها المعقد، ليسفر تلاقي مفعولها عن تركيبة اجتماعية وسياسية معروفة، في زمان ومكان محددين. ثم إن الحداثة بناء تاريخي، حصل تدريجيا، وتبلور في مظاهر شتى حاول المفكرون والمؤرخون مسحها بعد التحول التاريخي نفسه، بحيث تفادى تصورها في شكل برنامج مثالي وضع أولا ثم قام الناس بتطبيقه في مكان وزمان معينين.
وظاهر للعيان أن هذه النظرية نظرة مغلوطة، وأن الحركات التاريخية التي أسفرت عن هذا المولود تأثرت بفعل التكتلات البشرية، والأنظمة السياسية وأفكار العلماء والمفكرين، ورجال الدين ... وكبناء إجمالي فإنها لم تخضع لبرنامج مسبق أو لعقل مدبر بل هي حركة واقعية تراكمت فيها التجارب وتماسكت في رحمها نسبيا عدة جدليات: منها تعقيل الفعل والمجتمع، وتقسيمه منهجيا إلى ميادين مفصولة إجرائيا ... إلخ.
يعود الباحث بعد عرض تحليلي أنثروبولوجي مستفيض للحداثة في سياقها التاريخي الأوروبي، وتعيينها كتجربة عملية إلى واقعنا العربي الإسلامي للتأكيد على أنه من التغافل بمكان طرح حداثة غربية مقابل تراث إسلامي. والحال أن التراث نفسه تغير بفعل إقحامه في الحداثة. حيث إن المحافظ، والمجدد في التراث، كما الحداثي المردد لشعار القطيعة المجردة لا يخرجون عن النطاق المفروض على الجميع.
ويضيف أنه لا سبيل لتبني طريق للحداثة يحاكي طريق أوروبا، لأن كل ما بين أيدينا اليوم بجانب التراث المعاش يتلخص في تصورات للماضي وتاريخ دفاعي من جهة، وتصورات للحداثة الأوروبية من جهة ثانية؛ ولهذين العاملين تأثير قوي في الواقع الحاضر والمستقبل. ولأنها أي الحداثة واقع تاريخي محدد – كما فصل في الكتاب - فإنه من المستحيل أن يعيد نفسه عندنا على الشكل الذي ظهر به عند غيرنا. ويتفق الكاتب هنا مع قولة ماركس الشهيرة إن التاريخ إن أعاد نفسه، فإنه غالبا ما يعيدها على شكل مهزلة. وربما أن تلك المهزلة هي مهزلة التحديث كما نتابع أدوارها في حاضر معظم بلداننا في شمال إفريقيا والخليج العربي.
ثم يؤكد مجددا على مسألة الوعي النقدي، معتبرا أن القطيعة سواء في التجربة الأوروبية أو غيرها هي واقع وتصور في الآن نفسه، وفي جميع الأحوال تظل قطيعة نسبية. فلا تراث ولا تقليد مجردان أو تغيرا دون رجعة، وحتى في المجتمعات التي اخترقتها ثورات جذرية مثل فرنسا، أو بعدها المجتمع الروسي مع الثورة البلشفية، والصين مع الثورة الماوية.
وفي الآن ذاته، ينبه إلى أن الحداثيين يصورون حداثتهم وكأنها مجردة تماما من أي جانب عن أصالة الدعويين. والأصوليين عكس ذلك يصورون أصوليتهم وكأنها مفروزة تماما وفي كل جوانبها عن حداثة الحداثيين. وذلكم حسب حمودي هو الزعم السائد عند الجبهتين الذي لا مبرر له، لأن آلية التجريد والفرز تستند إلى المقارنة وتحجبها في الآن نفسه.
مما لا شك فيه أن الكتاب يبقى ظاهريا خاصا بالتجربة المغربية، لكن كل قطر عربي لا بد وأن يجد فيه جزءا من الإشكالات المجتمعية التي تخصه، خصوصا عندما ننظر في باقي موضوعات (الهوية، الدين، اللغة).