الخطوط السعودية والتحول المطلوب
تلقيت العديد من الرسائل والتعليقات على مقال سابق عن الخطوط السعودية وجميعها تتفق أن هناك ضرورة للتطوير وتحسين الخدمة. مداخلات القراء تنم عن حرصهم ورغبتهم في الأفضل لخطوط طيرانهم التي هي في الأساس منهم وإليهم. لا يقصد من طرح الملاحظات وإن كانت في ظاهرها ذكر السلبيات والمشاكل التي تواجههم التجريح أو النقد من أجل النقد أو الانتقاص من الأشخاص وإنما المساهمة في توضيح الصورة وواقع الحال والدفع نحو التطوير والتحول إلى أوضاع أفضل. لم أتلق أي تعليق من الخطوط السعودية أو تجاوب حول ما كتب, وهذا أمر يصعب فهمه وقبوله وهو يعزز التصور في أذهان الجمهور عن الخطوط في كونها لا تهتم لآرائهم ولا تعليقاتهم. كنت أود أن ألتمس العذر إلا أنه لا مجال لذلك، وكما قيل إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
إن أهمية الحديث عن الخطوط السعودية يتعدى كونها تقدم خدمات النقل الجوي المطلوبة داخليا وخارجيا وحسب, ولكن لأنها تمثل رمزا وطنيا ومعلما بارزا وبوابة للسياحة تعكس ثقافة المجتمع وتختزل قيمه ونظمه الإدارية والاقتصادية والاجتماعية في تعاملها ومستوى الخدمة المقدمة. وعندما يكون هناك إخفاقات كبيرة ومتكررة وعلى مدى طويل من الزمن تكون المشكلة الكبرى بل أزمة في التفكير وانحسار في الدافعية نحو عمل الأشياء الصحيحة بالطريقة الصحيحة، أي أن تغيب العقلانية في التعامل مع المتغيرات والمستجدات والبحث عن خيارات وبدائل والمبادرة إلى تحقيق الأفضل. هناك منطق يصعب فهمه عندما تتوقف مؤسسة الطيران الوطنية "السعودية" عند مستوى متدن من الخدمة والجودة بحجة أنه " ليس في الإمكان أكثر مما كان" ويكتفي بالتغني باليوبيل الذهبي وكأنما الخبرة تقاس بعدد السنين دون الإنجاز والتطوير! وتتربع على هذا الإرث العظيم من التوحد في تقديم الخدمة دون منافس لتصنع ثقافة التفكير في اتجاه واحد وحالة الركود واللامبالاة لتتخذ موقفا سلبيا تجاه زبائنها وكأنما الرسالة الموجهة في كل مرة "اقبل الخدمة أو اتركها" فنحن لا نهتم لشأنك نحن هنا فقط لتأدية العمل!، هذا هو منطق الجمود البيروقراطي والانكفاء داخل الإجراءات الإدارية الرتيبة دون محاولة التطوير ومجاراة التغيرات الكبيرة التي تحدث من حولها. لقد ظلت الخطوط الجوية السعودية تراهن على قوة الاقتصاد الوطني وجاذبيته الاستثمارية والدعم الحكومي السخي المباشر وغير المباشر حتى لم تعد تربط قراراتها بقوة السوق التنافسية والسعي حثيثا نحو إرضاء العملاء. شركات طيران ناشئة أتت من الخلف وخلال سنوات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة أصبحت على رأس قائمة أفضل خطوط الطيران العالمية، تحصد الجوائز الواحدة تلو الأخرى وتجتذب إليها المسافرين من جميع الجنسيات بشكل لافت للنظر، وخطوطنا الجوية خارج اللعبة ينصب اهتمامها على الإجراءات الإدارية الروتينية الداخلية. السر وراء هذا النجاح الباهر لهذه الخطوط الفتية المفعمة بالنشاط والحيوية، إنها لم تكتف قط بما تحققه ولم تتوقف ولو للحظة عن عملية التطوير واستشراف المستقبل بل هي مستمرة بالدافعية والطاقة والتفكير ذاتها إن لم يكن أكثر وبتزايد مع اكتساب الخبرة ومعرفة الاتجاه الصحيح وما ينبغي عمله. الخطوط العربية السعودية بعمرها المديد أصبحت تعاني الترهل لأنها لم تتعلم أبدا كيف هي روح المنافسة والبحث عن التميز ومعرفة السر وراء النجاح الحقيقي لأي شركة طيران وهو السير قدما وبخطى متسارعة نحو خدمة الراكب منذ أول اتصال للحجز إلى أن تطأ قدماه أرض المطار ومن ثم داخل الطائرة إلى حين الوصول واستلام عفشه بكل يسر وسهولة. يبدو الأمر سهل التحقيق إلا أنه في واقع الأمر يتطلب ثقافة إدارية تزرع في نفوس العاملين وقبل ذلك نظام إداري يعتمد الكفاءة والفاعلية ويلتزم المعايير المهنية العالية فلسفة ومنهجا وتطبيقا. إنها منظومة متكاملة من الإجراءات وحزمة من السياسات التي تحقق خدمة متميزة تنقل العمل إلى مستوى أعلى من الوعي والمسؤولية والحس المهني بدلا من حال التراخي واللامبالاة. المشاهد وما يروى من وقائع سلبية عن ناقلنا الجوي لا تنسجم أبدا مع مستوى التنمية والتطور الذي تحقق في البلاد. السعودية دولة لها وزنها السياسي والاقتصادي ولها تعاملات كبيرة مع دول العالم، والخطوط السعودية هي البوابة الأولى لكثير من ضيوفها من سياح ومستثمرين وعاملين، وبلا شك فإن طريقة التعامل ومستوى الخدمة يتركان انطباعا وتصورا سيئا منذ الوهلة الأولى عن الدولة والمجتمع. إن هناك أخطاء كبيرة ولا تبرر عندما تتأخر بعض الرحلات لساعات عديدة تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 12 ساعة أو أن يتم تحويل رحلة دولية من مطار محلي إلى آخر كما ذكر لي أحد الركاب, وأن يترك المسافرون يعانون التحول من رحلة دولية إلى داخلية والانتظار في طابور طويل لأنه لا يوجد إلا موظف واحد ويتعامل بفوقية ويمن على المسافرين أن يقوم بخدمتهم! إنه واقع لا يرضينا كلنا خاصة عندما تنظر إلى معاناة الكثير من المسافرين والمتعاملين مع الخطوط السعودية.
إنها التفاصيل الدقيقة والاهتمام الشخصي ورعاية الزبائن ما يخلق الفرق والتميز. إن الأخطاء الصغيرة يقف خلفها أخطاء كبيرة والسلوكيات والتصرفات الخاطئة لبعض الموظفين هي في أساسها مشكلة فلسفة العمل والثقافة السائدة، فيما هو مقبول وغير مقبول. فعندما يصطف العملاء في صفوف طويلة ولا يهتم المسؤول المباشر بشأنهم فهذا بلا شك تقصير لأن تقييم أدائه لا يبنى على قدرته على تقديم أفضل خدمة والتخطيط لتقديمها بكل سهولة ويسر وإنما يكون التقييم على أساس الحضور والانصراف والإجراءات الروتينية الشكلية التي لا تمت بصلة بتحقيق الأهداف وإنجاز المهمة بمستوى مهني عال. إن هناك معاناة يتحملها المسافرون من المعاملة غير المقبولة من بعض الموظفين. من جهة أخرى هل يعقل مع كل الإمكانات التقنية التي تتمتع بها مطاراتنا أن ينادى للرحلات في بعض الأحيان بشكل شخصي دون الإعلان عن الرحلة بمكبرات الصوت حتى أن بعض المسافرين قد تفوتهم الرحلة دون علمهم!
الجميع متأكدون أو على أقل تقدير يفترضون أن هناك جهودا تبذل واستراتيجيات تصنع وسياسات تصاغ قد تحتاج إلى بعض الوقت لتظهر نتائجها، إلا أن المشاكل ملحة ولا يستطيع الناس تحملها ولربما استعجلوا النتائج وهم في ذلك غير ملومين. كما أن الأستاذ خالد الملحم المدير العام الجديد للخطوط يحتاج إلى بعض الوقت حتى يقوم بالتغيرات المطلوبة مع أن وجوده على رأس الهرم الإداري لا يعني بالضرورة أنه يستطيع فعل كل شيء وتحويل المؤسسة التي عاشت ردحا من الزمان في ظل ثقافة إدارية مبنية على العلاقات الشخصية والتراخي واللامبالاة وعدم الانضباط إلى مؤسسة من الطراز الأول انتظاما ودقة بين ليلة وضحاها. إن من أصعب التغيرات التي تواجه المنظمات هي تغيير ثقافة العمل وسلوك الموظفين داخلها لأنها تتطلب وقتا طويلا بسبب أن هناك من يعرقل مشروع التطوير ويقف حجر عثرة في عملية التغيير بالتصدي لها ومعارضتها خاصة أولئك الذين أمضوا وقتا طويلا معتادين على الوضع القائم وتمكنهم وتجذرهم عبر شبكة من المصالح والعلاقات الشخصية التي تعطيهم القوة في البقاء في مناصبهم حتى ولو لم يتوافقوا مع التغيرات الجديدة. هذه فقط توقعات وتحليلات بناء على نظريات تطوير النظم وإدارة التغيير التي تشير إليها أدبيات الإدارة العامة ليس إلا. ومع صعوبة التغيير، إلا أن هناك الكثير الذي يمكن عمله على مستوى الإدارة الإشرافية تتركز حول وضع معايير محددة لجودة الخدمة كتحديد طول الطابور حيث لا يتعدى عددا معينا مثل أربعة أشخاص، بهذا نكون قد حققنا الكثير وقطعنا مشوارا نحو تحقيق الجودة، إذ ينطوي على ذلك تحديد عدد الموظفين المطلوبين لمباشرة تقديم الخدمة للعملاء. يبقى عنصر آخر مهم وهو تحسين خدمات الاتصال الهاتفي, وهذه الأخرى يمكن وضع معيار من الزمن لا يتعداه على سبيل المثال دقيقة واحدة للرد. وتكون هذه السياسات شعارا تتعهد به السعودية لضمان جودة الخدمة "أربعة أشخاص في الطابور ودقيقة للرد على اتصالك والإقلاع في الوقت المحدد وإلا تحملنا تكاليف سفرك أو نصفها أو أقل أو حتى خطاب اعتذار بتوقيع المدير العام"! هذا في اعتقادي إعلان أكثر مصداقية من "نعتز بخدمتكم" كلام عام وجميل لا يوافقه فعل. متى يتحقق شيء على الأرض قبل الإقلاع؟!