«ثرثرة» المثقفين على مواقع التواصل تهبط بمستوى إنتاجهم نوعا وكما
كشف أحد كبار الناشرين العرب لـ "الاقتصادية"، تراجع مستويات الطباعة والنشر لكتب الدراسات الفكرية والنقدية في مقابل الأنواع الأخرى لأسباب تتعلق بالأدباء والمثقفين، برأي الناشر، مقارنة بسنوات خلت كان مستوى النشر فيها عاليا. ويعزو الناشر أحمد عيتاني هذا الأمر إلى المثقف بالدرجة الأولى لأن ظروف النشر وصعوبتها القديمة، من حيث المردود المادي والمعنوي لم تتغير، ولكن ما تغير برأيه تفرغ المثقفين للكتابة الجادة والبحث المتواصل.
ويضيف عيتاني، شخصيا وقفت على متابعة السؤال والإلحاح على أحد المثقفين السعوديين المعروفين، الذي سبق أن تعاملت معه الدار أكثر من مرة تعاملا جيدا على المستوى المادي والتسويقي بغرض إعداد كتاب لطالما أخبر عنه. ولكن لم أجد سوى التسويف المتواصل. ولعل المفارقة المؤلمة، بالنسبة لي على الأقل، يضيف عيتاني، أن هذا الكاتب معروف بتواجده وجدله المكثفين والمستمرين، على شبكات التواصل. وفي الوقت نفسه كان قد وعد متابعيه أكثر من مرة بقرب ظهور الكتاب. ولكن هذا ما لم يحدث ولن يحدث، من واقع الخبرة في عالم الكتاب، ومعرفة أكيدة بضرورة التفرغ والتركيز. أما مع هذا الانشغال المتواصل والاستنزاف الواضح، للجهد والوقت، فلا بد أن يتراجع مستوى الإنتاج نوعا وكما على حد تعبير عيتاني.
من جهته يعلق "باتريك لامرت" صاحب دار نشر ألمانية على هذا الأمر مبديا استغرابه وأسفه إذا كان واقع الحال السعودي أو العربي بهذه الصورة التي ينقلها عيتاني. وفي المقابل يتحدث عن الكاتب الألماني وصعوبة إقناعه بالظهور على شبكات التواصل فقط من باب التسويق لكتابه، وهو ما يضاعف العبء الملقى على كاهل الناشر. وهنا يذكّر لامرت بواجبات الناشر وحقوق الكاتب عليه والتي بحسب ما يصله من أخبار أنها ما زالت منقوصة في العالم العربي عموما. فإن كان من واجب الكاتب التفرغ والعمل الجاد حتى يتم التسليم في الموعد المتفق عليه. يبقى على الناشر جهد التواصل والسؤال وتوفير كل ما يحتاج إليه الكاتب لإتمام هذا العمل المشترك، ثم تسويقه أيضا بالشكل الملائم والمناسب. فالنشر اليوم، يشدد لامرت، صناعة عالمية متكاملة لا تبدأ أن تنتهي بـ "الطباعة" كما يتصور البعض.
القارئ يحمل هو أيضا تصوره وانتقاداته عن طبيعة حضور المثقف اليوم سواء من خلال الإنتاج التقليدي المقروء أو من خلال التواصل الشبكي الجديد. عبر «فيسبوك» و«تويتر» وما إلى ذلك من شبكات. إذ يؤكد الشاب مهند الفارس أنه يفضل التواصل التقليدي بعيدا عن "ثرثرة الإنترنت" ومشاداتها حيث إن "سقف توقعات" القارئ الشاب ينهار تماما بعد قليل من التواصل مع بعض المثقفين. وهو ما يراه البعض إيجابيا بينما يراه الفارس، أمرا سلبيا. فالجدل المستمر بين القارئ والكاتب أو "التحقيق البوليسي" حول تغريدات بعينها أو أحداث مجتمعية إما تنديدا بعدم المشاركة فيها أو تشكيكا بشخص الكاتب لعدم أخذ موقف منها. أمر بالغ السوء يجعل القارئ الجاد الباحث عن معلومة أو فكرة أو حتى قصيدة ممتعة بغض النظر عن موقف قائلها وخلفياته في غربة معرفية حقيقية تقلص من مساحات الدهشة ومفاجآت اللغة الصافية الجميلة.
وهذا ما يؤكده ولكن بصيغة أكثر فنية ومباشرة المختص الاجتماعي والنفسي جابر نشوان الذي يعكف حاليا من خلال دراساته العليا على الاهتمام بشكل خاص في تطور المجتمعات الافتراضية باعتبارها مجتمعات بديلة. كما يهتم بتواصل الأفراد نفسيا واجتماعيا عبر شبكات التواصل. إذ يؤكد نشوان لـ "الاقتصادية" أن "التفاعلية اللحظية" بين الكاتب والقارئ مثار إعجاب في الغالب من قبل كثير مختصين. ولكن ما تثبته الدراسات النفسية والمجتمعية الحديثة أن "سلبياتها" أكثر بكثير من إيجابياتها. فالإنسان بطبعه النفسي والاجتماعي غالبا ما يهمل التواصل المجرد والموضوعي طالما توافرت له الفرص المكانية والزمانية لإشباع فضوله تجاه الأشخاص لذاتهم وليس لأجل مواضيعهم. وهنا تكسب الأدوات التقليدية، في التواصل التي تجعل بيننا وبين صاحبها مسافة موضوعية ونفسية مجردة لا يمكن تجاوزها مقارنة بغيرها من السبل الحديثة. وهو ما يفسر أيضا بحسب نشوان هذا الاستنزاف لجهدي الكاتب والقارئ الحقيقيين. فإغراء هذه المواقع الاجتماعية وما تشبعه من حاجات فضولية شخصية بدائية بداخل الفرد هو السبب الحقيقي وراء سرقة وقت وجهد الكاتب قبل القارئ. وهو ما يؤثر سلبا، يختم نشوان، في مستقبل مجتمع معرفي بأكمله، وإن كان افتراضيا في شكله، إلا أنه يبقى واقعيا في جوهر تفاصيله النفسية والمجتمعية.