هل الوقت مناسب لتغيير سياسة صرف الريال؟
لقد كثر الحديث أخيرا عن مدى جدوى ربط الريال بالدولار رغم الضغوط على سعر صرف الدولار في السنوات الثلاث الماضية أمام كثير من العملات الرئيسية. هناك الكثير من البلدان تتبع هذه السياسة منها بلدان مرشحة للتصنيف من ضمن كبرى اقتصادات العالم كالصين على سبيل المثال.
لقد ازدادت الضغوط الأمريكية على الصين لفك ارتباط اليوان أمام الدولار أو إعادة تقييم اليوان، الصين تقاوم هذه الضغوط بشدة ولكنها تتدرج ببطء شديد إلى تقوية عملتها أمام الدولار لكيلا تضر باستقرار وضعها الاقتصادي ولا تخل بقوة المراكز المالية لشركاتها ومصانعها. فلقد نما الناتج القومي المحلي الصيني بمعدل 10 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية ولم نلاحظ أي أضرار نتيجة سياسة الربط بالدولار.
إن تبني سياسة ثبات العملة مقابل عملة أخرى كالدولار له منافع كثيرة منها, لا على سبيل الحصر, المحافظة على نسب تضخم كما هي في تلك الدولة المتقدمة اقتصاديا وسهولة حساب واردات الدولة ودقة حساب توقعاتها وسياسة نقدية تدار بمقاييس عالمية.
إذا كان القصد من فك ارتباط الريال بالدولار هو الحصول على ريال قوي و ذلك لأن الدولار حاليا يعاني انحدارا شديدا أمام العملات الأساسية فذلك غير صحيح نسبيا. فالنظر إلى تاريخ اليورو (واعتمادا على سعر المارك الألماني) فالدولار لا يزال في نفس نطاق تداوله تاريخيا (كما هو موضح في الرسم الفني المرفق) ولكنه في أضعف مراحله التاريخية. فعند ولادة اليورو كان تقريبا يعادل 1.1600 من الدولار وبعدها استمر بالنزول إلى 0.8400 من الدولار ولتلك الفترة أسبابها التي ليست موضعنا هنا ولكن كان السعر العادل آنذاك هو 1.1600 لليورو الواحد أمام الدولار إذا فعليا لم ينخفض الدولار أمام اليورو إلا بنسبة 16 في المائة تقريبا (سعر اليورو حاليا 1.3500) وهي تعد مقبولة نوعا ما. والأمر نفسه بالنسبة إلى الجنيه الإسترليني والفرنك السويسري أما الين الياباني فيعد نوعا ما في وسط معدل سعره في خلال 27 سنة الماضية.
لقد كان ولا يزال النفط هو المورد الرئيسي للسعودية، الذي أدى بفضل ارتفاعه في السنوات الثلاث الماضية إلى فوائض لا يستهان بها في الميزانية العامة للدولة (فائض 2006 كان 265 مليار ريال و2005 كان 275 مليار ريال). واستفادت الدولة من هذا الفائض الشيء الكثير من سداد للدين العام المحلي الذي انخفض من 640 مليار ريال إلى 375 مليار ريال و يتوقع أن يستمر في الانخفاض. وأيضا رفعت رواتب الموظفين وخفضت أسعار بعض مواد دائمة الاستهلاكية كالوقود (تعد السعودية ثالث أقل تكلفة عالميا في أسعار الوقود) وانخفضت أجور الاتصالات ودعمت الحكومة شركة الكهرباء لتأمين الكهرباء لجميع المناطق بكفاءة عالية. ودعمت صناديق التنمية (كالصندوق العقاري والصناعي وبنك التسليف والبنك الزراعي). وتوجهت الحكومة للاستفادة من ذلك الفائض لإصلاح البنية التحتية للمملكة من مشاريع صحية ونقل وتصريف صحي والتعليم والابتعاث للخارج. وتوجهت الدولة لبناء المدن الصناعية والاقتصادية في جميع أنحاء المملكة التي من شأنها توفير عشرات آلاف الوظائف لشبابنا السعودي.
كل هذا الخير جاء من وراء ارتفاع أسعار النفط عالميا فلو افترضنا إعادة تقييم الريال بنسبة 20 في المائة فستنخفض إيرادات الدولة بالنسبة نفسها (فمبيعات النفط، التي هي بالدولار، ستحول إلى ريالات أقل بعد تقوية الريال) ولسوف تتوقف جميع المشاريع ويبقى الدين على ما هو إن لم يرتفع من جديد. ولو أضفنا فرضيه انخفاض سعر صرف برميل النفط بنسبة 20 في المائة فلكم أن تتخيلوا ماذا سيحصل لقيمة منبعنا الوحيد للواردات! وليس من المنطقي أن نربط الريال بسلة عملات (كاليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري) وهي على أعلى أسعارها تاريخيا. فلو انخفضت تلك العملات إذا ستنخفض قيمة الريال من جديد!
العالم أجمع يعاني نسب تضخم عالية لا بل هناك تخوف عالمي من ارتفاعها في الأعوام المقبلة فليست السعودية هي الدولة الوحيدة التي تعاني نسب تضخم عالية. إن سبب الارتفاع العالي للمواد الخام للبناء هو الطلب العالي داخليا وعالميا, فعلى سبيل المثال الصين وحدها تستهلك ما يعادل 50 في المائة من إنتاج العالم من الأسمنت. والحديد والنحاس ومعظم المواد المعدنية تعاني أيضا قلة المنابع وازدياد الطلب عالميا. إن من أهم أسباب ارتفاع التضخم المحلية المتوقعة مستقبلا هي الإنفاق الحكومي للمشاريع المجملة بالأعلى. وذلك شيء يجب علينا تحمله لأنه مؤقت والفائدة أكبر باستمرار تلك المشاريع من إيقافها.
فلو استمرت السياسة النقدية على ما هي عليه من ربط الريال بالدولار لعمت الفائدة على الجميع. فالمعلوم أن الارتفاع العالمي على النفط وازدياد نسب الطلب عليه سنويا من شأنها أن تحافظ على سعر النفط بهذه المستويات ولكن لا نستطيع استبعاد احتمالية انخفاض أسعار النفط بعد عام أو أقل فمنطقيا ارتفاع الأسعار يؤدي إلى انخفاض الطلب للمخازين الاستراتيجية.
إن الأمر الوحيد المرجو من المواطن أو المستهلك هو عامل الوقت, فباعتقادي في خلال السنوات الثلاث المقبلة سيسدد جميع الدين العام وتستمر المشاريع في البناء وترتفع محفظة الحكومة الاستثمارية (بالنقد الأجنبي) لأكثر مما هي عليه حاليا (920 مليار ريال) وعندها (عام 2010) ربما المقدرة تكون قوية لدعم الريال وإعادة تقييمه بما يماشي القوة الاقتصادية السعودية. وربما يكون الدولار عند ذلك قد تعافى من بعض خسائره الحالية.