نحو سياسة واقعية في اليمن

يقول ماوتسي تونج: إن الأيديولوجيا تتغير بينما الجغرافيا لا تتغير ولذلك سيبقى اليمن والمملكة مهمين لبعضهما مهما عملت الأيديولوجيا والسياسة عمائلهما. تاريخيا عملت المملكة على دعم الشرعية في اليمن ففي أثناء حكم الإمام يحيى وأثناء خلاف حدودي مع المملكة طلب الملك عبدالعزيز من الإمام أن يحكم فيها إلى أن توصلت المملكة واليمن (الشمالي) إلى اتفاقية حدود في عام 1934. تلا ذلك علاقة مستقرة إلى أن وصل المد القومي إلى ثلة عسكرية من الضباط بقيادة السلال الذي أخذ دورة عسكرية قصيرة في العراق. رأت مصر القومية دعم الانقلابيين عسكريا ما أنهكها عن الاستعداد لإسرائيل بينما اختارت المملكة دعم الحكم الشرعي الملكي الزيدي الذي لم يأخذ بالطائفية. كان هناك عامل خارجي لتوظيف وتأليب اليمن على المملكة. والآن وبعد نصف قرن وتجربة اليمن المريرة مع حكم العسكر الذي انتهى بتصنيف اليمن كبلد فاشل نعود إلى توظيف اليمن من قبل إيران للضغط على المملكة. تعود المملكة إلى دعم الشرعية بينما اتخذ الحوثيون توجها عدائيا مباشرا إعلاميا وسياسيا وعسكريا إذ أجرت أكبر مناورة على حدود المملكة قبل "عاصفة الحزم" وبدأت تطويرا عسكريا بدعم إيراني في صعدة وقام كثير من قيادتها بالتهديد المباشر على الحدود.
نظرا لأهمية البلدين لبعضهما لابد من تفادي الشعارات وألاعيب السياسة وفساد الثقافة العامة التي امتدت إلى الطرح العام حيث أصبحت الحقيقة حتى المصالح العامة مجالا للتسويف والخداع. الأخذ بسياسة حصيفة لا يتم قبل تقدير الوقائع على الأرض وقبول النزعات الطبيعية الطيب والخائب منها ومراعاة البعد الاستراتيجي لدرجة من التكامل في مرحلة لاحقة مستقبليا مهما بدأت بعيدة. هناك عدة معالم لابد من ذكرها عن واقع يمن اليوم التي ستستمر في المدى المنظور. أولا، إن الواقع المعيشي صعب للغالبية العظمى في ظل قلة الموارد والصعوبات المؤسساتية، فمثلا صنعاء أكثر عاصمة تواجه صعوبات مائية في العالم. في ظل غنى دول الجزيرة النسبي لا بد من استمرار مساعدة اليمن ولكن لابد من معادلة جديدة بعد دعم نظام صالح ومن سبقه لعقود، فلا يمكن دعم شراء السلاح مهما كان التبرير (إيجاد المعادلة المناسبة لن يكون سهلا). ثانيا، قبول حقيقة أن الوحدة جاءت قسرية وأن هناك رفضا شعبيا في الجنوب لها مهما تغنينا بالشعارات. ولكن منظومة الحكم لا تقف عند الجنوب فهناك انقسامات فئوية أخرى ما يجعل الحكومة المركزية القوية تجربة غير مناسبة للحقبة. فتجربة الصومال والعراق وسورية وليبيا تتطلب فكرا جديدا، أحد مطالب الحوثيين كانت لإعادة تقسيم اليمن (إقليميا لأغراض الحصول على ميناء لجلب السلاح)، فمثلا بدا أن تعز والساحل ومناطق أخرى ليست على وئام مع صعدة في تجاذب مذهبي. لا بد من تطوير منظومة الحكم المحلي مع المحافظة على وحدة اليمن الشمالي. لا يمكن للحوثيين أو غيرهم إعادة السيطرة الكاملة على كل اليمن في ظل دولة مركزية بدأت أصلا من قواعد مادية ضعيفة. ثالثا، لا بد من قراءة جديدة عن الوضع القبلي الذي تآكل إلى حد عدم القدرة على السيطرة الجغرافية، هذه الحالة مردها تطور اجتماعي طبيعي، مثلا لم تنجح محاولات الاعتماد على القبائل في سورية والعراق وليبيا، فالتنظيمات الأيديولوجية والوطنية أقوى على الأرض؛ ولذلك فإن دعم القبائل لابد أن يكون رمزيا واجتماعيا وليس سياسيا أمنيا، فهذه معادلة انتهى وقتها. رابعا، في ظل الحماس والتواصل البشري أحيانا يلجأ البعض إلى الدعوة لدعم اليمن دون حدود أو الانضمام إلى مجلس التعاون. خامسا، وخاصة المملكة لن تسمح بتوظيف اليمن أو جزء منه ضد مصالح المملكة، ولذلك لا بد من الاستعداد لحل أمني كجزء من منظومة التعامل مع الوضع اليمني إذا لجأت أطراف معينة لإيجاد جيب عدائي. سماح البعض في اليمن بتوظيفه كقطعة شطرنج ضد جيرانها العرب يحمل تكلفة كبيرة ومستمرة.
يقال إن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه يتناغم فهذا اليمن يختطف مرة من عبدالناصر ومرة من الخامنئي بالمتاجرة بضعفه المادي. في الحقبة الماضية لم تحل الحرب إشكالية اليمن الداخلية ولن تحل هذه الحرب إشكالية الحكم والحوكمة في اليمن ولكنها كانت ضرورة مستحقة، فالمسؤولية على اليمنيين في الآخر ولكن إذا سمحوا لأقلية باختطاف سياسة عامة ضد المحيط العربي فالسعر لابد أن يكون باهظا ومتواصلا. أكبر مصدر لدخل اليمنيين المباشر يأتي من تحويلات اليمنيين من المملكة ودول الخليج بينما ليس هناك يمنيون يعملون في إيران. قد تذهب العواطف والمكابرة أحيانا بعيدا ولكن لابد للواقعية أن تغلب ولكن تحتاج إلى عين صريحة ودقيقة وحاسمة وعين أخرى على المستقبل الاستراتيجي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي