«إنستجرام» و«تويتر» حاضنتان تسرّعان من تمكّن فيروس التطرف وانتشاره

«إنستجرام» و«تويتر» حاضنتان تسرّعان من تمكّن فيروس التطرف وانتشاره

ذئاب ضالة لم ترد أن يخرج شهر العبادة والصيام إلا بكثير من الألم والفقد لأسر سعودية تضررت من الجهتين، من جهة القاتل والقتيل. "داعشيان" أحدهما يقتل أباه والآخر يقتل خاله، الذي تعهده وأمه بالإقامة والرعاية بعد انفصال والديه.
قتل أقرب قريب لم يعد مستغربا عن هذه الفئات، التي تمكن منها فيروس التطرّف والإرهاب بشكل يستغرب البعض من سرعة تمكنه وسرعة تحوّل هؤلاء الأشخاص. إذ تؤكد غالب التحقيقات وعمليات القبض التي أعلنت عنها بالأمس الداخلية السعودية خلو سيرتهم من أي ارتباط تنظيمي أو قضايا إرهاب يمكن الاستدلال من خلالها على مؤشر يضع هذا الشخص كمسجل خطر. وبالتالي يمكن ملاحظته والوقاية منه ومن شروره.
الحقيقة المرة اليوم أن فيروس التطرّف والإرهاب تطور بشكل مرعب، حيث لم يعد لكثير من الملاحظات والمتابعات الأمنية التقليدية أو المتطورة كشفه والوقاية منه في بعض أطواره الابتدائية وأصبح الأمر منوطا بالكامل بالأسرة والأقربين الذين هم أيضا أصبحوا أول الضحايا. وهنا يصبح الأمر أعقد على الجميع. لكنه في المقابل لا يحمي الجميع من المسؤولية بل يزيدها.
تناقل كثير من المغردين تغريدات منسوبة "للداعشي" الأخير عبدالله فهد الرشيد. إضافة إلى صور ومقاطع خاصة بثها الانتحاري بصوته وصورته عن طريق حسابه في "الإنستجرام". استعراض مثل هذه المقاطع والصور وإن كان يمثل ذاكرة قصيرة في عمر الزمن إلا أنها مليئة بالعبر والإشارات التي يمكن من خلالها استقصاء ما كانت عليه أفكار وتوجهات هذا الانتحاري. كما أن قراءة آراء المغردين والمتابعين لهذا الحساب الذي أصبح محط أنظار الجميع بين ليلة وضحاها يستحق التأمل هو أيضا من باب تقييم المجتمع لمثل هذه الحالات باعتباره شريكا في المشكلة وفي الحل.
وبرصد حساب الانتحاري "الرشيد" يمكن ملاحظة أمرين يختلفان عن النمط أو السياق العام "للدواعش". الأول اهتمامه بـ "الإنستجرام" خلاف كثير من "الدواعش" الذين يركزون على "تويتر". ولكن هذا لا يمنع أن يكون حساب "تويتر" متروكا للتواصل الخفي أكثر من العلني. وهذا ما درج عليه كثير من الانتحاريين الذين لا يهدفون إلى الدعاية بقدر ما يهدفون إلى التفخيخ والتفجير. ثانيا، يمكن ملاحظة خلو حسابات الانتحاري "الرشيد" من التكفير المباشر للحكام. وهذا أيضا يأتي على خلاف كثير من الحسابات "الداعشية" التي تمعن في تكفير الحكام بشكل مباشر أو غير مباشر.
في المقابل هناك ثلاث نقاط تشير إلى تطرّفه بوضوح، وإن كانت تشترك مع كثير من المتطرفين الذين لم يصلوا بعد إلى قناعة التفجير أو الانتحار، لكنها خطرة على كل حال. وفيها إشارة إلى هذا التطور النوعي لفيروس الإرهاب الحديث. النقاط الثلاث تمثلت في اهتمامه ومتابعته لثلاثة أنواع من الحسابات، بعضها يهتم بصور وحشية تعبر بحسب القائمين عليها عن "مآسي الأمة" والظلم الواقع عليها من الغرب والطوائف والفرق المختلفة. فيما حسابات أخرى تتغنى بـ "عزة الأمة" في الماضي كأحد الحسابات المختصة بتصوير فترات حكم الدولة العثمانية. أما النوع الأخير فقد كان تتويجا على ما يبدو لهذين الشعورين وفيه يتابع الانتحاري "الرشيد" حسابات منوعة تعنى بتعبير الرؤى والأحلام، وأخرى تقدم معلومات مفصلة عن السلاح وأنواعه بالصوت والصورة، دون أن يكون هناك من قبل القائمين على هذه الحسابات ما يمنع أو يضبط أعمار المتابعين باستثناء إشارات عابرة تؤكد عدم استعداد هذه الحسابات لأي عملية بيع، وهذا أمر قد يكون حقيقيا وقد يكون فقط لإبعاد المسؤولية القانونية، أو إمكانية حجب الحساب، لا أكثر.
بعد هذا الاستعراض السريع لاهتمامات جديرة بالملاحظة في حياة هذا الشاب هل بالإمكان تصور سيناريو محتمل لما تعرض له وغيره الكثير؟ شاب صغير في السن، المغامرة جزء أساسي من عمره، يأتي كثير من المواقع ليشحنه بالصور الوحشية مذهبيا ودينيا. فتحمله من حيث تقصد أو لا تقصد مسؤولية تراجع الأمة وخذلانها أمام أعدائها مقارنة بحالها في فترات أخرى من التاريخ؟ ليأخذ هذا الشاب المتحمس على عاتقه البحث عن أسلحة وجماعات إرهابية كـ "داعش" أو غيرها بعد أن يكون هذا الشحن قد تُرجم إلى رؤى وأحلام يفسرها له البعض، بوصفها كرامات وبشائر. فيبذل من أجلها، الغالي والنفيس، البعيد والقريب، خالا كان أم والدا؟
تغرير إلكتروني دعائي اجتمعت له أطراف كثيرة، على أرض الواقع والافتراض، تشحن وتجهز، منها من يدرك المآلات وأخرى لا تدرك، أطراف تقصد وأخرى لا تقصد، وكل ذلك يحدث فكريا ونفسيا وسط فراغات أمنية وسياسية عربية مضطربة، ما يجعل مثل هذه الجماعات قادرة على اصطياد فرائسها وتوفير الأسلحة والمتفجرات بحرية أكبر. وما كان إعداده يحتاج إلى سنوات من التواصل والنفير والتدريب والتجهيز ثم العودة سكينا في خاصرة الوطن، اليوم لا يأخذ مع هذه الجماعات كثيرا من الجهد والوقت مع توافر أحدث التقنيات وأسباب التحريض والإحباط والغضب.

الأكثر قراءة