رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مساكن مستطاعة التكاليف

[email protected]

مساكن مستطاعة التكاليف، هذا هو مرتكز أي سياسة إسكان عامة ناجحة، التي في مضمونها تسعى لجعل السكن في متناول عموم الناس خاصة الأقل حظا في المجتمع. وعند الحديث عن سياسة الإسكان فإننا نتناول السياسات العامة، أي السياسات الحكومية المتعلقة بالإسكان المباشرة وغير المباشرة، ويقصد بالمباشرة السياسات الموجهة نحو توفير السكن العام أو الدعم المالي لمساعدة الناس على الحصول على سكن، إما بالتملك وإما بالإيجار. أما السياسات غير المباشرة فهي تلك التي ترتبط بالتشريعات والقوانين التي تسهم في جعل المسكن في متناول الجميع، على سبيل المثال خفض نسبة الفوائد البنكية على قروض السكن أو سياسة تحديد الإيجارات، بحيث تثبت الإيجارات عند مستوى معين، كما تم في بداية السبعينيات من القرن الماضي، والأخيرة أثبتت فشلها لأنها ضد آلية السوق وتؤثر سلبا في كفاءته في تقديم الخدمات السكنية كما ونوعا فينتج شح أكبر في المساكن ورداءة في الخدمات السكنية.
وقد قيل في أدبيات الاقتصاد الحضري "لتدمير مدينة وتخريبها بالكامل دون سلاح نووي هو بتحديد الإيجارات"! إذ إن تحديد الإيجارات يؤدي إلى تراجع الاستثمار في قطاع السكن أو حتى التوقف عنه، لأن الإيجارات لا تتناسب مع التكلفة فلا تعمر مساكن جديدة وتترك المساكن الحالية دون صيانة وعناية فتتردى حالتها مع مرور الزمن، وهكذا تستمر الحال إلى أن تضمحل المدينة بتناقص العرض وانكماش عدد المساكن بمعدلات كبيرة.
إذا أفضل السياسات هي تلك التي تأتي متوائمة مع آلية السوق وليس ضده، تلك التي تعمل داخل إطار منافسة السوق، لأنه حتى مشاريع الإسكان العام تلك الوحدات السكنية التي تنشئها الحكومة من أجل محدودي الدخل أثبتت فشلها، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار تفاوت التفضيلات بين الناس واختلاف أذواقهم واحتياجاتهم، إضافة إلى أنها وبحكم تدني المستوى الاقتصادي والثقافي لفئة ذوي الدخل المحدود وحصرهم في مكان واحد، وما ينتج عن ذلك من احتكاكات وسلوكيات سلبية بسبب الكثافة السكانية العالية، إضافة إلى عدم اهتمامهم بالمبنى العام لأنه مشترك، كما أنه يؤدي إلى عزل هذه الفئة من السكان عن باقي سكان المدينة، وهكذا يتحول الإسكان العام في كثير من الأحوال إلى وضع مترد وخدمة متدنية يغيب فيه تحديد المسؤوليات والأدوار ولا يلقى الاهتمام ليصبح مرتعا خصبا لعمليات إجرامية وشغب من الأحداث والشباب وبؤرة لتعاطي المخدرات والاتجار بها. أدركت كثير من المدن حول العالم هذه السلبيات وخطورتها الاجتماعية، فقامت بالفعل بإلغاء مشاريع الإسكان العام وإزالتها، حتى تلك التي لم يمض على بنائها بضعة عقود مثل ما حدث في مدينة شيكاغو الأمريكية.
إن أفضل سياسات الإسكان العامة تلك التي تمنح الأشخاص حرية الاختيار فيما يناسبهم من سكن، مساحة وتصميم وتكلفة. وهذا ما تلبيه سياسات تمويل السكن عبر قروض مباشرة من الحكومة أو قروض بنكية مدعومة من الحكومة خاصة بذوي الدخل المحدود، بحيث تكون نسبة الفائدة مخفضة في متناول الأقل حظا. إلا أنه يجب التنبيه في هذا السياق أن يكون مبلغ القرض متكافئا مع تكلفة السكن. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تكون قيمة القرض عالية، بل أن تكون متناسبة مع حجم السكن، فلا يتم منح قرض بمبلغ معين ومن ثم يشترط أن يكون المبنى بمساحة وحجم وتصميم تتعدى تكلفة القرض الممنوح، كما يفعل صندوق التنمية العقارية. ولذا لم يكن مستغربا أن كان أكثر المستفيدين من قروض صندوق التنمية العقارية هم من أصحاب الدخول المرتفعة وليس أصحاب الدخول المنخفضة الذين يفترض أن الصندوق وضع من أجلهم!
إن ما يلزم عمله هو التعامل بواقعية ومنطقية وأقل تعقيدا مع مشكلة الإسكان، بتحديد طبيعة المشكلة وحجمها والمستهدفين حتى نتمكن من وضع الحلول التي تتناسب مع المشكلة. إن ما علينا عمله ببساطة هو التفكير جديا في خفض تكاليف السكن وجعله في متناول الجميع. من بين أهم عوامل خفض تكاليف السكن هو مساحته، فكلما صغرت مساحته قلت تكلفته! أعلم أن هذا استنتاج واضح يعلمه الجميع، لكن مع الأسف مغيب تماما في التطبيق! فهناك توجه ودفع وتحفيز نحو تكبير الوحدات السكنية عبر تشريعات تقسيمات الأراضي بحيث إن مساحات قطع الأراضي في الغالب لا تقل عن 400 متر مربع، وإذا كانت تكلفة الأرض تمثل ما يقارب 30 في المائة من التكلفة الإجمالية للمسكن فإنه حري بأن تصغر المساحة الدنيا لقطع الأراضي. إن تصغير حجم الأراضي سيؤدي أيضا إلى تقليل تكلفة البنى التحتية مثل تمديدات الصرف الصحي، المياه، الكهرباء، الهاتف، وغيرها من الخدمات، ما يعني تقليل تكلفة تطوير الأراضي وبالتالي انخفاض متوسط تكلفة المتر للأرض.
عامل آخر يسهم في خفض تكاليف السكن، هو جعل تشريعات وقوانين الدفاع المدني أكثر مرونة وواقعية. ففي الوقت الحاضر تحظر تشريعات الدفاع المدني استخدام المباني الجاهزة، وبالتالي تفوت الفرصة على أصحاب الدخول المتدنية اقتناء مسكن مُصنع ومجهز بكل المتطلبات بتكلفة منخفضة.
أما صندوق التنمية العقارية فإن اشتراطاته الفنية تدفع نحو تكبير مساحة المسكن وزيادة تكلفته. فالصندوق يمنح 300 ألف ريال كحد أعلى للإقراض، ولكنه يطلب بناء مسكن تكلفته أكثر من ضعف المبلغ! القرض، على ضآلته، بقي عند المستوى نفسه منذ إنشاء الصندوق في منتصف السبعينيات من القرن الماضي دون الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع أسعار مواد البناء وتكلفة الأيدي العاملة. وما يزيد من تصعيب الحصول على القرض ابتداء اشتراط امتلاك الأرض عند التقديم للقرض. إلا أن الصندوق أقدم أخيرا على خطوة إيجابية كان من المفترض أن تكون منذ زمن بعيد، وهي الموافقة على تمويل الشقق السكنية للراغبين في شرائها بدلاً من القروض النقدية، وهذه مبادرة تحسب للصندوق، إذ تمنح الفرصة لامتلاك سكن دون إلزام المقترضين ببناء أو شراء فيلا. البعض فهم خطأ أن الصندوق اشترط 250 مترا مربعا كحد أدنى لمساحة الشقة، بينما كان ذلك الحد الأعلى كما جاء في الشروط المتعلقة بذلك، يشير الشرط أولا إلى أن "الحد الأعلى لمسطح الشقة المأخوذ بالاعتبار عند احتساب قيمة القرض (250م2 )" ("الاقتصادية" ـ الإثنين 27 ربيع الآخر 1428هـ).
هناك الكثير الذي يستطيع الصندوق عمله، قد يكون من بينه الاتفاق مع شركات الخرسانة الجاهزة والشركات العقارية الكبيرة على تصميم نماذج تكون بتكلفة منخفضة من خلال الإنتاج الوفير الذي يؤدي إلى خفض متوسط التكلفة.
لقد حان الوقت أن نضع سياسات تتصدى لمشكلة الإسكان تعتمد على عنصرين أساسيين، تقليل تكلفة البناء وتوفير المبلغ المطلوب للتمويل. وهذا يتطلب عدة أمور:
1) تصميم وحدات صغيرة (عدة نماذج) بالاتفاق مع شركات الخرسانة مسبقة الصنع لبناء وحدات كثيرة لتقليل متوسط التكلفة. 2) تكون تكلفة الوحدة لا تتجاوز 300 ألف ريال (قيمة القرض) على أرض ممنوحة من البلدية. 3) إعطاء أفضلية التمويل لأصحاب الدخول المتدنية والعاملين في القطاع الحكومي. 4) منح كامل مبلغ القرض 300 ألف للراغبين في اقتناء شقة، خاصة لسكان المدن الكبيرة. 5) السماح باستخدام المساكن جاهزة التصنيع بحيث يتم تخطيط أراضي مزودة بالخدمات معدة خصيصا لإقامتها. 6) مراعاة تفاوت تكلفة البناء بين مدن ومناطق المملكة. 7) تصغير مساحات الأراضي لتكون بحدود 250 مترا مربعا. 8) زيادة مبلغ القرض ليتناسب مع معدل التضخم ومقارنة بالدول المجاورة. 9) تشجيع بناء المجمعات السكنية عبر شركات مساهمة. 10) دعم تكلفة السكن من خلال منح الموظفين في القطاع العام بدل سكن، إذ إن السكن ليس فقط بالتملك ولكن أيضا بالإيجار وتفيد الإحصاءات أن غالبية السكان لا يملكون سكنا.
وأمر أخير ولكن مهم، وهو أن تكلفة السكن تمثل ما يقارب 30 إلى 35 في المائة من دخل الفرد، ولذا يجب أن يكون الإسكان على قائمة الأولويات، فهو يتداخل مع موضوعات وقضايا ساخنة أخرى مثل توطين الوظائف والبطالة والتضخم. ونافلة القول نحتاج إلى استراتيجية لقطاع الإسكان برؤية شاملة تتضمن جميع المتداخلين والمؤثرين في القطاع مبنية على توفير السكن الملائم بتكلفة منخفضة يستطيعها غالبية المواطنين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي