لصوص الفقراء
حاول الدعاة على مر الزمن أن يغرسوا البعد عن الشبهات في نفوس المتلقين، وحاول المنافقون أن يفلسفوا التفسيرات التي تبيحها.
يستمر الخلاف على مدى الدهر، وتستمر مظاهر الاقتراب من المحظور بشكل تدريجي، في منطقة المباح، فما يلبث المرء حتى يجد نفسه دخل حمى المحظور، ومع الوقت يتهاون الناس في حرمة المحظور نفسه فيرتعون فيه. هي الشبهات التي حذر منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال "إن الحلال بيّن وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمىً، ألا وإن حمى الله محارمه".
لا أدعي العلم الشرعي، لكن النفس البشرية بطبيعتها تميل إلى البحث عن المتعة. فإذا أصبح البحث عن المتعة قاعدة والاستبراء للدين والنفس استثناء، أصبح الحال ما نشاهده اليوم من خلافات جذرية حين يتحدث شخصان ينتميان للمذهب نفسه، والمجتمع نفسه، أحدهما استفاض في البحث عن الرخص والآخر بالغ في الابتعاد عنها، حتى كأنك تشعر أنهما ينتميان لدينين مختلفين.
على أن مما زاد الوضع سوءا ودفع كثيرين نحو المحظور هو الربط الجائر بين الموروث، والتشريع الإلهي. نتج هذا عن الفهم القاصر للمقاصد والأسس التي بنى عليها الشارع تعامله مع الأحداث والمؤثرات والإنسان.
أصبح هذا الخلط ينمَّى في عقول وإدراك الناشئة، فيجعلون الإرث شرعا ويبنون عليه تعاملهم مع مختلف الأحداث والأشخاص. فظهر من نراهم يفجرون وهم لا يعلمون لماذا يفعلون ذلك.
المفهوم نفسه ينطبق على أقوام رعوا حول الحمى، واستمروا يغازلون الحرام حتى وقعوا فيه. الأسوأ من هذا أنهم يعلمون أن ما يأخذونه من الدولة هو في حكم الزكاة التي لا يستحقونها. أكثر من 100 ألف شخص يملكون العقارات والأسهم والحسابات المصرفية الضخمة ينتزعون اللقمة من أفواه الجياع سنين طويلة. أظن أن الواجب يستدعي أن يعاقب هؤلاء بأخذ ما سلبوه من الفقراء وإلزامهم بدفع زكاة كل السنين التي ادعوا فيها فقرهم وحاجتهم إلى الضمان. وليس أقل من التنبيه بأن تصحو بقية قطاعات الدولة لأمثال هؤلاء المجرمين.