كتاب كيسنجر: النظام العالمي

قرأت كتاب كيسنجر وجرت العادة أن أقرأ أكثر من مراجعة للكتاب بعد قراءته خاصة لمَّا يكون الكتاب بهذه الأهمية. لفت نظري مراجعة أستاذ التاريخ في هارفرد نايل فيرجسون علما أنه لا يخفي إعجابه بكسينجر المؤرخ والمفكر والممارس للسياسة الخارجية كسكرتير للأمن القومي ووزير الخارجية في عهدي نكسون وفورد. نشرت مراجعة فيرجسون في قسم مراجعة الكتب في «نيويورك تايمز» التي سوف أقتبس منها مباشرة، فبعد نقد فيرجسون لسياسة أوباما المتخبطة والفاقدة للرؤية الاستراتيجية على حد وصفه حين ذكر حول سؤال عن دولة الخلافة: ليس لدينا استراتيجية حتى الآن أو الخط الأحمر حول استخدام الكيماوي ضد المدنيين من قبل بشار في سورية، لم يتحدث كيسنجر عن أداء سياسة أوباما إلا بنصائح عامة، فالكتاب أقرب إلى المراجعة التاريخية والفكرية والتجربة وأخيرا تلمس بعض التحديات الكونية الضاغطة مثل دور الكم المعلوماتي الضاغط والسطحي أحيانا على مخططي السياسة أو محاولة كثير من الدول وغير الدول لحيازة أسلحة الدمار الشامل وحروب الفضاء الإلكتروني.
نقطة البداية عند كيسنجر أننا نعيش الآن نهاية العالم الأمريكي الذي وصل إلى ذروته قبل نحو عقد حيث تميز العالم الأمريكي في قبول الأعراف الدولية والسعي لنظام السوق اقتصاديا ورفض السياسات التوسعية واحترام السيادة وقبول التحرك نحو المشاركة السياسية والنظام الديمقراطي. قام هذا النظام على خلفية "معاهدة وستفيليا" في عام 1648 بعد نهاية حرب الثلاثين عاما الدينية في أوروبا التي يعرفها كيسنجر: أنها نظام قائم على دول مستقلة تتفق على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعض والتحوط من طموح البعض منهم من خلال توازن القوى، ولكن هناك ترتيبات أخرى منافسة مثل الترتيب الإسلامي المبني على فكرة إمبراطورية واحدة ودين واحد وسيادة واحدة طبقا للسلطان محمد الثاني في القرن الخامس عشر؛ والترتيب الصيني بجذوره في العرف الصيني المبني على: التآلف تحت رعاية الإمبراطور شبه المقدسة والاستعداد لدفع الجزية. هذه أنماط فكرية عن ترتيب النظام العالمي. الإشكالية في نظر كيسنجر أن الأوروبيين والمسلمين والصينيين والأمريكيين أخذوا الآن بصيغ إما ناقصة أو فاسدة من أعرافهم.
فالأمريكيون دخلوا في خيار خادع بين المثالية والواقعية بينما الأوروبيون يمارسون "تقاعسا فطريا" حيث تركوا معاهدة وستفيليا وقفزوا إلى السيادة المجمعة مع تقليص واع للقوة في المؤسسات الجديدة، بينما العالم الإسلامي دخل في صراع طائفي مصحوبا بنقص في الحوكمة ونزعة للأصولية بدا وكأن أغلب الدول في تهديد وجودي؛ بينما تعاني دول شرق آسيا حدة في تطبيق نظام وستفيليا دون توازنات كافية في القوى، هذه ليست لحظة تاريخية مريحة في ظل تقدم الدول غير الغربية اقتصاديا وسكانيا يصاحبه تآكل بين مثالية الأنظمة الأربعة، ما يزيد فرص التصادم، فنحن أقرب إلى فوضى وليس ترتيبا عالميا.
كيسنجر مؤرخ قبل أن يصبح رجل دولة ولذلك يكتب بعين المؤرخ ما يجعل كتابته جذابة حتى لو لم يدخل البيت الأبيض ولكن أيضاً له نقاد كثر خاصة بسبب دورة في حرب فيتنام أو الصراع العربي - الإسرائيلي أو انقلاب شيلي، فمثلا يكتب: حيوية الترتيب الدولي تنعكس على التوازن بين الشرعية والقوة ومدى التركيز على كل منهما، ليس هدف الشرعية أو القوة أن توقف عملية التغيير بل إنه من خلال مشاركة بينهما يمكن إدارة التغير وليس من خلال صراع الإرادات، إذا تمت إدارة توازن بين القوة والشرعية فأي خطوة عملية تأخذ صفة تلقائية، يصبح التعبير عن القوة على الهوامش وغالبا رمزيا. لما يدمر هذا التوازن تختفي الحواجز وينفتح الحقل لمطالبات متزايدة ولاعبين عنيدين، تتبع الفوضى حتى يعم نظام توازن جديد. وهناك ملاحظات على توازنات دول شرق آسيا ونقد مؤثر للدول الإسلامية. الكتاب كبير وغني بالأفكار والمعلومات والعبر التاريخية ولن نعطيه حقه في هذا العمود ولكننا فقط نعرض بعض الأفكار وفهم أين نحن من التجاذبات والتحفيز على تعظيم الفائدة والتمركز الجيوسياسي والتذكير بدور الحوكمة الفاعل داخليا لرفع مستوى الكفاءة والدفاع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي