مركز توعية المستثمر .. لا حياة لمن تنادي
لدينا مثل في منطقة عسير يقول (كمن يرمي من وراء الصف)، والصف عندما تلتقي القبائل ترحيبا بعضها ببعض أو استقبالا لزائر كبير، فكان من عادتنا في المنطقة أن تتقدم مجموعة من أمهر الرماة وتطلق عددا من الطلقات النارية في الهواء دليلا على الاستعداد لحماية الزائر والترحيب به، لكن من الخطأ الكبير أن يقوم أحدهم بذلك من خلف الصف ما يشير إلى الهروب بدلا من الاستقبال, فيقال عندئذ ( كمن يرمي من وراء الصف) دلالة على الخطأ وعدم اختيار التوقيت المناسب أو المكان المناسب وفي ذلك توبيخ. ولكن ما مناسبة هذا المثل لمركز توعية المستثمر الذي أطلقته هيئة السوق المالية؟ إن هناك الكثير الآن ممن يرون أن هذا المشروع جاء متأخرا وبعدما انهارت السوق.
هذا الادعاء مبني على فرضية أن السوق المالية ذهبت بلا رجعة أو كما قال بعضهم (لعبة وانتهت) أو حسب المثل السابق بعدما انفض الصف، لكن هذه الفرضيات يرفضها الواقع الذي أكدته الاكتتابات الكبيرة بدءا من "إعمار" الاقتصادية وانتهاء بـ "المملكة القابضة", فعلى الرغم من الحجم الضخم إلا أن النجاح كان حليف هذه الاكتتابات جميعها وتمت تغطيتها بنسب كبيرة. وهناك من يرى - نظرا لأن السوق المالية السعودية تخضع كثيرا للاتجاهات- بعدم أهمية المعلومات وتحليلها وأهمية القرارات الاستثمارية وتأثيرها (المهم أن تكون هامورا أو تتعرف عليه), لكن هناك بعض الدراسات التي بدأت تظهر الآن ومنها ما يؤكد أن الشركات ذات الأداء المالي الجيد كانت أقل الشركات عرضة للمخاطر خاصة خلال أزمة شباط (فبراير) إلى آذار (مارس) ما يشير إلى أهمية اتخاذ القرار الاستثماري الجيد. كما دل تورط عدد كبير من صغار المستثمرين في الشركات المتعثرة التي تم إيقافها على خطورة اتخاذ القرارات دون وعي كاف، وما تأخر هيئة السوق المالية عن اتخاذ قرارات جريئة مماثلة تجاه عدد من الشركات المتعثرة الأخرى، في اعتقادي، إلا لنقص الوعي الاستثماري لدى الشريحة الواسعة من المستثمرين الذين وضعوا جل ثرواتهم فيها.
كل هذا يشير إلى أن هيئة السوق المالية وهي تطلق موقع توعية المستثمر كانت ترمي من أمام الصف لتعلم الناس بأهمية المشروع وأهمية توقيته ولتقول للجميع قد أعذر من أنذر. فما مركز توعية المستثمر هذا؟
عندما أسأل هذا السؤال ليس جهلا بالمركز لكنه واقع الحال لدى الكثير من صغار المستثمرين، فمعظمهم لا يعرف شيئا عنه، ولا أين هو ولا كيف يتعامل معه، وللأسف فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الهيئة للتوعية واعتبارها هدفا استراتيجيا إلا أن أصداءها مازالت أقل من المتوقع. فمثلا كان مشروع ورش التوعية مشروعا رائعا وقويا جدا لكن المفاجأة في نسب الحضور التي كانت أقل من المتوقع, خاصة في بعض المناطق التي عانت كثيرا لعبة تشغيل الأموال، ومن أهم أسباب ذلك أن معظم المهتمين لم يعرفوا ما فيه الكفاية عن هذه الورش ولم تكن التغطية الإعلامية كافية فيما يبدو. ويظهر لي أن الهيئة تبذل الجهد في التوعية كمشروع وتترك الحديث عنه للآخرين وهذه مشكلة.
مركز توعية المستثمر موقع رائع وأنا أعده هدية الهيئة لصغار المستثمرين. لقد دفع العديد من الناس مبالغ ضخمة للتدريب على عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية، قراءة القوائم المالية، وفهم نظام السوق وآليتها. الآن توفر هيئة السوق المالية جميع هذه الدورات وورش عمل من عدد من المتخصصين في هذه المجالات, منهم أساتذة جامعات، ممارسون مهنيون، منهم أسماء كبيرة جدا في تخصصاتهم وأصحاب خبرات معتبرة ومعاهد تدريبية ومراكز استشارية متخصصة جميعهم يقدمون دورات تدريبية مجانا للمستثمر وكما يقال – طب وتخير.
مركز توعية المستمر يجيبك عن أي مصطلح تريد معرفته (مكرر الأرباح، القيمة الدفترية، سعر السوق, سعر الإغلاق، القناة الصاعدة أو الهابطة وغيرها كثير) لست في حاجة إلى شراء كتاب يلف بك ويدور ليخبرك أنك لا تعرف شيئا. بل قم بزيارة عابرة إلى مركز توعية المستثمر وستجد من الإجابات ما لا حصر له.
ولكن أين هو؟ وكيف نزوره؟ ببساطه أنه في منزلك وفي عملك وأينما تريد طالما أن معك جهاز حاسب آلي مرتبطا بشبكة الإنترنت. فقط اتصل بموقع هيئة السوق المالية وستجده بكل بساطة، وهذا المركز من النوع الذي يقودك بنفسه للتعرف عليه فلن تحتاج إلى دليل أو مرشد أو دورة تدريبية لذلك.
ولكن وعلى الرغم من المركز والإبداع والجهد الذي بذل فيه إلا أنني أعتقد أن الهيئة في حاجة إلى شراكة البنوك في ذلك، فكما قلت إن هذا المركز موجود فقط على شبكة الإنترنت، لكن كم من الناس يحفل بهذه الشبكة أو يجيد التعامل معها؟ كما أن معظم صغار المستثمرين يقومون باستثماراتهم من خلال البنوك وليس من خلال الارتباط المباشر مع نظام "تداول"، فهم في حاجة إلى التعرف على المركز من خلال صالات البنوك، بمعنى آخر يجب على البنوك وضع وصلات طرفية يستطيع من خلالها المستثمر أن يطلع على موقع الهيئة ويتعرف عليه وكذلك موقع مركز التوعية. كما يجب على البنوك أن تخصص موظفا لتعريف الناس بأهمية هذا الموقع أو على الأقل لوحة إرشادية لشرح استخدام تلك الوحدات الطرفية.
إن التحدي الأكبر الذي تواجهه هيئة السوق المالية هو عامل الزمن والتاريخ. فالاقتصاد والسوق والمفاهيم التي ارتبطت بهما تعكسان ثقافة أمم تراكمت عبر الزمن وقرون من التجربة والخطأ. تريد الهيئة من خلال المشاريع الطموحة أن تصهر المراحل وأن تقفز بالمجتمع ليستوعب كل تلك المفاهيم وأن تصبح جزءا من ثقافته وعبارات كلامه ومصطلح تعامله اليومي, خاصة عند عمليات التبادل الاقتصادية. لقد أنجزت الهيئة الكثير وهي في عمر الزهور وبقى عليها الأهم والأكثر. فعلى الرغم من التغيير الذي شهدته الهيئة في قيادتها العليا إلا أن ثقافة المجتمع الاقتصادية ظلت همها ومشروعها الطموح والحلم الوردي الذي مازالت تعيشه. لذلك فإن توعية المستثمر تعد استراتيجية للهيئة تحتاج إلى خطط تكتيكية تتضمن شراكة الآخر, خاصة شركات الوساطة والبنوك.