"كيان" و"المملكة القابضة" وعمق السوق
لقد نجحت هيئة السوق المالية CMA حتى الآن في إدراج عدد من الشركات في سوق الأسهم السعودية، فبعد أن كنا نتحدث عن 64 شركة أصبحنا نقارب الـ 100 شركة اليوم، وهو ما كنا نطالب به لصناعة سوق مالية حقيقية تعكس الوضع الاقتصادي العام للدولة، فالسوق المالية عبارة عن عينة تجريبية تساعدنا على فهم الاتجاه العام للاقتصاد ودرجة النمو في مؤسساته، وتعطينا العديد من المؤشرات الضرورية. 96 شركة حتى الآن ليست بالكثيرة بعد، لكن مقارنة بأحجام هذه الشركات فهي مرضية على الأقل. وكما سجلت الهيئة نجاحا في إدراج الشركات فإنها تسجل النجاح في نوعية الشركات وتنوعها, ومعظمها شركات ناجحة, أو هكذا تشير قوائمها المالية المدققة. وفي سبيل تسهيل إدراج الشركات كانت تدعم الهيئة، من ضمن نظريات أخرى، نظرية تعميق السوق.
وعمق السوق مهم بلا شك، لكن الأهم هو نوعية ذلك العمق وحقيقته، فالمعنى الدارج لعمق السوق يرتكز على عدد الأسهم فقط، ومؤيدو هذا الاتجاه يبنون فلسفتهم على أساس الحد من المضاربات، لأنها آفة السوق ولا بد من التخلص منها! كما يرون أن من أسباب ارتفاع السوق وانخفاضها الحاد قدرة عدد قليل من المضاربين على السيطرة على أسهم الشركات نظرا لعددها وعدد أسهمها المحدود، وهذه النظرة قاصرة إلى حد بعيد، فعمق السوق له بعد نظري أعمق بكثير من مجرد الحد من المضاربات.
الأسواق المالية، كما هو اسمها ترتكز على حركة رأس المال، وتكتسب أهميتها وازدهارها، الذي ينعكس على الاقتصاد، من قدرتها على تمويل المشاريع وإمداد رجال الأعمال برأس المال الذي يحتاجون إليه مع تقليص درجة المخاطر إلى أدنى حد ممكن. وكمصدر للتمويل تتميز الأسواق المالية عن البنوك- كمصدر بديل – في انخفاض تكلفة رأس المال – وذلك على المدى المتوسط، وهذا يعتمد على حجم الشركة وعدد أسهمها المطروحة للاكتتاب. وهنا نقطة النظام التي يقدمها عمق السوق وحجمها، فكلما زاد عمق السوق زادت تكلفة التمويل ومخاطره (وإن ظلت أقل من نظيرتها البنكية)، لذلك وفي هذه المرحلة المتقدمة من العمق فإن رجال الأعمال الجادين والشركات القادرة فقط هي التي تسعى إلى التمويل من السوق المالية وليس غيرها. فعمق السوق يقدم خدمة جليلة من خلال توظيفه مفهوم تكلفة رأس المال "كمفلتر" للشركات ورجال الأعمال بحيث تتملك السوق أدواتها لاستبعاد الأسوأ.
المشكلة في هذه المرحلة التي تمر بها الهيئة من مشروع بناء عمق السوق هي في عملية اختيار الشركات التي يتم إدراجها الآن، أو بمعنى آخر تلك التي ستستفيد من المخاطر المنخفضة للإدراج في السوق السعودية. لا أرمي بالحل على كاهل الهيئة فالحل يتمثل في الشركات العائلة وذات المسؤولية المحدودة الكبيرة والناجحة فعلا، استبشرنا بإدراج شركة المملكة القابضة, فهي من ذلك النوع من الشركات الجيدة, ولكن الاقتصاد السعودي مازال يزخر بالعديد من أمثالها – شركة بن لادن، شركة سعودي أوجيه، مجموعة عبد اللطيف جميل, إضافة إلى عدد من الشركات الزراعية العملاقة التي لم تدرج بعد ولم نسمع أنها تسعى إلى ذلك. المشكلة أن عمق السوق يزداد ومعه ستزداد تكلفة الدخول وكل تأخير في اتخاذ مثل هذا القرار سيزيد من صعوبة اتخاذه مع قادم الأيام, خاصة أن السوق السعودية تبحث عن قاع لترتد منه، وإذا استمر الحال على ما هو عليه الآن من إحجام الشركات الجيدة عن الإدراج فإن عملية زيادة عمق السوق ربما تنعكس سلبيا عليها.
إن من أهم ميزات عمق السوق، بخلاف ما سبق، هو أن تستفيد السوق من النمو المتراكم للشركات، وهذه نقطة حاسمة ومهمة في موضوع اختيار الشركات المدرجة وحجمها. نحن حتى الآن نقع فريسة نمو الشركات القيادية المحدودة العدد، فأسعار أسهم هذه الشركات تتأثر بالأخبار المتعلقة بالنمو، ولأنها قيادية فهي تؤثر في اتجاه السوق، ويتحقق التوازن إذا حققت إحدى هذه القياديات نموا سالبا ولكن الأخرى حققت نموا إيجابيا. هنا تتضح أهمية عمق السوق، فكلما كان لدينا شركات قيادية مختلفة في قطاعات مختلفة تحررت القطاعات بعضها عن بعض وتحررت السوق في مجملها من أزمة معلومات الشركات القيادية. لذلك فإن زيادة العمق وتكلفة الدخول قبل إدراج شركات تمثل عنصر قياديا سينعكس سلبا على السوق.
من خلال المناقشة السابقة يظهر التساؤل المهم، هل فعلا نحن نحقق العمق المطلوب – وفقا للمفاهيم التي قدمت لها علاه - إذا تم إدراج شركات مثل "المملكة القابضة" و"كيان" و"جبل عمر"؟ هل فعلا لدى شركات مثل "كيان"، "إعمار الاقتصادية", و"ينساب" القدرة على توازن النمو في المدى المتوسط المنظور؟ أو حتى "المملكة القابضة" وإن كانت تمثل حالة مختلفة نوعا ما؟
أعتقد، حتى الآن على الأقل، أننا لم نقدم شيئا كثيرا في مسألة عمق السوق وإن كنا نمضي قدما إليها، لكن سيظل حال السوق كما هو مهما زاد عدد الشركات إذا لم نوظف مفهوم عمق السوق بشكل أوسع من مجرد الحد من المضاربات، ولن يتم لنا ذلك حتى نقتحم معركة إقناع الشركات الكبيرة القائمة فعلا والتي تحقق نموا، وليست من النوع العنقودي المرتبط بسوق الأسهم السعودية، بأن تدرج عدد من أسهمها في السوق، وعلى الهيئة أن تقود هذه المرحلة جنبا إلى جنب مع مجلس الغرف التجارية.