تساؤلات حول برنامج تدريب وتجهيز قوى الثورة السورية
في الوقت الذي تفيد فيه الأنباء بأنّ برنامج التدريب والتجهيز الذي أعدته الولايات المتحدة لقوى الثورة السورية التي خضعت لتدقيق أمني يشارف على الانطلاق بعد أن طال تأجيله، ما زالت عدة أسئلة متعلقة بطبيعته وهدفه دون أجوبة. فتحديد المهمة الجديدة للقوات واستراتيجيتها وقدراتها وعمليات التزامها وعلاقتها بقوى المعارضة الأخرى على ساحات المعركة السورية جميعها خطوات أساسية لضمان نجاح تلك القوات، وهنا يحاول جيفري وايت "الزميل" للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن والضابط السابق لشؤون الاستخبارات الدفاعية الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.
ماذا ستكون المهمة الموكلة إلى القوات؟
أفاد الناطق باسم «البنتاجون» بأن القوات الجديدة ستتولى ثلاث مهام على الأقل: الدفاع عن المدنيين، وتنفيذ عمليات هجوم ضد تنظيم "داعش"، ودعم المعارضة السياسية. وتستثني هذه المهام أي مهمة معلنة ضد قوات بشار الأسد، مع أن ذلك قد ينضوي في إطار المهمة الدفاعية. فسواء أكان يُنظر إلى الاشتباكات مع النظام كمحتّمة أو لا، لا بد من أن تكون واشنطن واضحة فيما يتعلق بتوقعاتها منذ البداية، إذ إن محاربة كل من "داعش" والنظام قد تشكل مهمة ضخمة للغاية تتطلب أعداداً كبيرة من العناصر، وأسلحة ثقيلة، ودعماً واسع النطاق، ووفقاً لجميع الاحتمالات دعماً جوياً.
إلى أي درجة سيتم تدريب القوات وتجهيزها؟
من غير الواضح ما إذا كانت القوات ستتألف من وحدات مناورة كبرى أو من وحدات صغرى بحجم الكتيبة أو السرية، وما إذا كانت القوات ستقتصر على جنود مشاة مجهزين بأسلحة خفيفة، أو ستضم عناصر "متعددة الأسلحة" مجهزة بأسلحة ثقيلة، وتشمل جنود المشاة، وقدرات الرمي غير المباشر، ومقاومة الدروع والطائرات. وتجدر الإشارة إلى أن حجم القوات مهم، فوحدات المناورة الأكبر هي أكثر قدرة على الصمود أو التقدم وإلحاق الهزيمة بقوات العدو من الوحدات الأصغر حجماً.وتنتشر الدبابات والمدفعية والأسلحة الثقيلة الأخرى بكثافة على ساحات القتال في سورية، وتحظى القوات البرية التابعة للنظام بدعم جوي ملحوظ. ولمواجهة هذه الأسلحة، لا بد أن تتمتع القوات المدعومة من قبل الولايات المتحدة إما بقدرات واسعة خاصة بها وإما بدعم خارجي تؤمنه الطائرات و/أو القوات البرية الأجنبية. وقد تجلى ذلك خلال المعركة للسيطرة على مدينة كوباني في محافظة حلب، حيث كان المقاتلون الأكراد في موقفٍ ضعيف جداً أمام الأسلحة الثقيلة لـ تنظيم "داعش"، إلى أن قُلبت المعادلة مع تدخل القوات الجوية التابعة للتحالف.
وعموماً تطرح العمليات الهجومية المزيد من التحديات، وتتطلب مستوىً أعلى من التدريب، وعمليات ضبط وتحكم أفضل وقدرات لوجستية أفضل. وتفرض العمليات المتواصلة شروطاً صعبة. فكيف سيتم نقل هذه القدرات إلى القوات وإلى أي مدى؟
من سيضع استراتيجية القوات ويوجه عملياتها؟
يُفترض ألا تكون القوات الجديدة مجرد مجموعة مسلحة أخرى، إذ سيجب عليها العمل ضمن استراتيجية معينة، ولا بد أن يتم التحكم في عملياتها وربما دمجها مع عمليات أخرى في سورية وربما العراق، على أمل أن يجري ذلك بشكلٍ يتناسب مع مصالح الولايات المتحدة/ التحالف. ولكن في الوقت الراهن، ليس هناك منظمة سياسية أو عسكرية تابعة للمعارضة قادرة على تأدية هذه الأدوار. وبالتالي، هل ستعمل القوات الجديدة تحت سلطة الولايات المتحدة/ التحالف أو وفق ترتيب خاص موضوع لهذا الغرض، على غرار جهاز "غرفة العمليات العسكرية" المستخدم حالياً للتنسيق بين عمليات الثوار في بعض أنحاء سورية؟
متى ستكون القوات جاهزة؟
يبدو الإطار الزمني المتوقع لإنشاء القوات طويلاً، ويتضمن ثلاث زيادات سنوية يصل عددها إلى نحو ٥٤٠٠ جندي يخضعون للتدريب والتجهيز. صحيح أن هذه المقاربة المطولة زمنياً قد تتلاءم مع رأي واشنطن الحالي في الموضوع، إلا أن الأوضاع القائمة في سورية قد تشهد تغييراً جذرياً، ما يؤثر في مهمة القوات ومتطلباتها. وسيربح المقاتلون في سورية المعارك والأراضي، ويخسرونها في السنوات الثلاث المقبلة بشكلٍ يحدد مصيرهم والسياق الذي ستعمل فيه القوات المدعومة من قبل الولايات المتحدة.
متى وأين ستُنشر القوات؟
إنّ نشر القوات الجديدة تدريجياً وتوكيلها بمهام فائقة الطموح، و/ أو نشرها في أراضي معركة متنازع عليها بشدة، قد يؤدي إلى فشلها أو تفككها [القضاء عليها] في وقت مبكر. لذلك يمكن القول إنه من الضروري الالتزام بنشر وحدات كبيرة نسبياً بشكل أولي وحذر ضمن مناطق هادئة نسبياً أو أقل عرضة للخطر في سورية. ويجب ألا تسمح واشنطن وشركاؤها بأن يحتم الضغط السياسي أو متطلبات العمليات انتشاراً سابقا لأوانه أو غير ملائم للقوات.
هل يُعتبر حجم القوات كافياً؟
يبدو العدد المؤلف من 16 ألف عنصر تقريباً صغيراً بالنسبة إلى أي قوات تسعى إلى التأثير بصورة حاسمة في الحرب في سورية. فقد يبلغ عدد خصومها المحتملين عشرات الآلاف، وستضطر على الأرجح إلى أن تقسم عملياتها إلى عمليات هجومية ودفاعية على مساحات شاسعة من الأراضي، فتضطلع على الأرجح بمهام تفوق قدرتها. ويمكن التخفيف من حدة هذه العوامل من خلال اتباع استراتيجية جيدة والقيام بعمليات مدروسة، ولكن ينبغي التصدي إليها بشكل مسبق، كما يجب إدارة التوقعات المتعلقة بتلك القوات.
#2#
كيف ستؤمَّن استمرارية هذه القوات؟
من المرجح أن تنخرط القوات في صراع طويل الأمد داخل سورية، لذلك من الضروري تأمين استمرارية وحدات القتال في ضوء هذا الواقع. وستتكبد هذه الأخيرة إصابات وستُستنفد تجهيزاتها (الذخائر والأدوية والطعام وغيرها)، وستُدمر معداتها ويتم الاستيلاء عليها وتفكيكها، وهذه كلها أمور يجب أن تعوض عنها القوات إذا أرادت المحافظة على فعاليتها. وبالنسبة إلى العمليات الهجومية، لا بد من نقل جميع المعدات إلى مكان قتال الوحدات وتوقع ازدياد الحاجة إلى إعادة التجهيز.
ويعني ذلك ضرورة وجود نظام لوجستي متين لدعم القوات المقاتلة. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل سيؤمَّن هذا النظام عن طريق فاعلين خارجيين، على الأقل لغاية عبور الحدود السورية؟ مهما كانت الدرجة المتوقعة لتوفير القوات معداتها اللوجستية الخاصة، فإنها ستحتاج إلى رجال وتنظيم ومعدات لهذه الغاية. ويعني ذلك انخفاض عدد القوات المتاحة للقتال. إضافة إلى ذلك، هل يمكن الاعتماد على تركيا والأردن لتأمين النفاذ الضروري إلى سورية خلال فترة الانتشار؟
كيف سيتم دعم هذه القوات؟
نظراً لنطاق المهام المتوقعة من القوات وصعوبتها، فهي ستحتاج بشكلٍ شبه مؤكد إلى دعم القتال من قوات الولايات المتحدة/ التحالف. وإذا ما واجهت عناصر الثورة صعوبات خلال المعركة، وهذا سيحصل على الأرجح، لا بد من إنقاذها.لقد سبق أن أظهرت الحرب الحاجة إلى كميات كبيرة من القوة النارية لمجابهة أسلحة العدو الثقيلة وكسر المقاومة الصلبة. ولا تستطيع قوات مدربة على يد الولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف الانخراط في عمليات مطولة زمنياً شبيهة بالحصار كما فعلت وحدات كثيرة تابعة لقوى الثورة أو للنظام. فيجب أن تتمكن من طلب دعم النيران الثقيلة لكسر المقاومة التي تواجهها بسرعة، أو الرد على هجمات مكثّفة. ويمكن التخفيف من هذه الحاجة عبر توفير قدرات متينة من الأسلحة الثقيلة للقوات، ولكن قد يتعذر القضاء عليها كلياً. ويستدعي ذلك تأمين العناصر والمنظمات والإجراءات الكفيلة بضمان توفير الدعم الكافي في الوقت المناسب. وفي الواقع، سيجب دمج القوات ضمن العمليات الجوية التابعة للولايات المتحدة/ التحالف وربما العمليات البرية.
فضلاً عن ذلك، يجدر بالتحالف أن يأخذ في الحسبان على الأقل احتمال أن يحتاج أحياناً إلى القيام بتدخل بري لإنقاذ عناصر قوى الثورة الصديقة. فتنظيم "داعش" وقوات النظام ستسعى على الأرجح إلى التدمير السريع لأي وحدات خضعت لتدريب من قبل الولايات المتحدة. ولا تستطيع واشنطن أن تسمح بحصول مثل هذا السيناريو بما أنه قد يقضي على العملية بكاملها.
كيف سترتبط القوات بقوى المعارضة الأخرى؟
غالباً ما تتصف أراضي المعركة في سورية بالتعقيد وبوجود مجموعة واسعة من المعتدلين والمتطرفين الإسلاميين وقوات النظام. هل سيتم إطلاع الوحدات المدربة من قبل الولايات المتحدة على القوات التي تستطيع التعاون معها وفي ظل أي ظروف، أو هل سيتمتع قادتها بالمرونة والقدرة على اتخاذ مبادرات للعمل مع عناصر معارضة أخرى كما ترتئي؟ ما الذي سيكون أهم بالنسبة إلى واشنطن: التغلب على تنظيم "داعش" في المعارك أو المحافظة على "طهارة" القوات التي دربتها؟ وهذا السؤال ليس نظرياً، لأنه يُعتقد أن جماعات أخرى يُقال إنها تلقت مساعدات من الولايات المتحدة، قد تعاونت عملياً مع جماعات تابعة لـ تنظيم "القاعدة" أمثال "جبهة النصرة".
الخلاصة
إن إنشاء قوات مدعومة من قبل الولايات المتحدة ونشرها للمحاربة بشكل فعال في سورية يتخطى مهمة التدريب والتجهيز. يجب على واشنطن أن تتوقع أن تواجه القوات صعوبات كبرى وتحديات مباشرة من قبل خصوم متمرسين ومجهزين بأسلحة ثقيلة. ولا بد من التصدي لجميع المسائل المتعلقة بالاستراتيجية والعمليات والقدرات وتأمين الاستمرارية والدعم مع تطور البرنامج. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تتكبد تكاليف غزو فاشل آخر في سورية - على غرار غزو "خليج الخنازير" الذي فشلت فيه القوات التي درّبتها الولايات المتحدة في غزو كوبا - بحيث تتعرض فيه قواتها الجديدة للاندحار أو التدمير نتيجة اعتمادها استراتيجية خاطئة أو مفهوماً غير مدروس في عملياتها أو ضعف قدراتها أو نقص الدعم المقدم لها.
يمكن أن يكون المخططون الأمريكيون قد بدأوا بالتصدي لبعض هذه المسائل، أو ربما سيعالجونها مع تطور البرنامج. وعلى أي حال، يُعتبر إنشاء قوات تحظى بدعم أمريكي ونشرها للمشاركة في المعارك جهداً لا يجوز الاستخفاف به. ولا بد من إتمام ذلك من خلال قيام أهداف سياسية وعسكرية واضحة واستراتيجية عسكرية ملموسة لتحقيقها، ومن الأخذ في الحسبان حالات الطوارئ المحتملة في العمليات. ولغاية اليوم، لم ترتكز المقاربة التي اتبعتها إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه سورية على هذه الخصائص.