بلجيكا .. بوابة أوروبا المشرعة على التطرف والإرهاب

بلجيكا .. بوابة أوروبا المشرعة على التطرف والإرهاب
بلجيكا .. بوابة أوروبا المشرعة على التطرف والإرهاب

لم تقتصر تداعيات الهجوم على مجلة "شارلي إيبدو" في باريس الذي أسفر عن مقتل 17 شخصا في يوم واحد على الساحة الفرنسية فحسب، بل أجج المخاوف في أوروبا بأكملها وبالأخص في بلجيكا حيث يبدو أن التهديدات الإرهابية تتعاظم.

ذلك أن الغموض ما زال يحيط بعملية مكافحة الإرهاب التي نفذتها الشرطة البلجيكية في مدينة "فيرفيي" في شرق بلجيكا وأسفرت عن اعتقال أربعة أشخاص مشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية وعن مقتل اثنين، سفيان أمغار 26 عاما وخالد بن العربي 23 عاما.
فالجهاديان أمغار وبن العربي كانا يقطنان العاصمة بروكسل، وتحديداً محلة "مولينبيك" قبل أن يتوجها إلى سورية في ربيع العام الماضي، وكانا يخضعان لمراقبة مشددة من أجهزة الشرطة قبل المداهمة في "فيرفيي".

تقع مدينة "فيرفي" على الحدود الألمانية وكانت تعرف في ما مضى بصناعات النسيج والصوف، غير أنها تحولت مع الوقت إلى مأوى للمتطرفين. ففي العقود الأخيرة، أصبحت هذه القرية موطن الجاليات الأجنبية من باكستان والمغرب وأفغانستان والشيشان واعتبرت في عام 2008 معقلا لجماعة الإخوان المسلمين والمؤيدين لحركة حماس.

يقول الصحافي المختص في الحركات الإسلامية فيليب بريوايز في حديثه لـ "الاقتصادية" إنه "خلافا لما تدعي بعض المجموعات التي تصور نفسها ممثلة عن الإسلام في بلجيكا، ليس من وصف موحد للجهاديين الذين ذهبوا إلى سورية أو إلى العراق. فهذه المجموعات تدعي أنهم شبان يتحدرون من أحياء فقيرة ومهمشة، وهو أمر صحيح جزئيا.

نجحت الشرطة خلال عملية المداهمة التي جرت في مدينة "فيرفيي" في ضبط أسلحة عديدة من طراز AK47 وبزات الشرطة. ووفقا لقناة الأنباء الفرنسية LCI، فإن هذه العملية قد تكون مرتبطة بالتحقيقات الجارية حول أمدي كوليبالي، الإرهابي الذي قتل شرطية في منطقة "مونتروج" الفرنسية، أو مرتبطة بالهجوم على مجلة "شارلي إيبدو".

#2#

أما النشاط الأساسي للخلية الإرهابية التي تمت السيطرة عليها فيقوم على إرسال الشباب إلى سورية وتأمين الأسلحة إلى بعض العصابات والجماعات المتطرفة، بحسب تقارير صحفية بلجيكية. كما يُعتقد أن هذه الجماعة نفسها هي التي أمنت السلاح لأمدي كوليبالي والصواعق والسترات الواقية من الرصاص التي تم اكتشافها في منزله في الضاحية الباريسية". كما قال جيل دي كيرسوف المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب في تصريحات أدلى بها لعدد من محطات الإعلام البلجيكية هذا الأسبوع حيث أشار إلى "أن الهجمات كانت ستستهدف مراكز الشرطة، غير أن الأجهزة الأمنية تمكنت من التدخل قبل يوم واحد من التنفيذ بما أن التهديد كان واضحا وملموسا".

ظهر إلى الواجهة في هذه العملية التي لا يزال يشوبها الغموض اسم عبدالحميد عبود المعروف باسم أبو عمر السوسي الذي صنفته وسائل الإعلام البلجيكية بالعقل المدبر لنشاط الخلية. وكان الجهادي البلجيكي قد انضوى في صفوف تنظيم "داعش" في سورية في وقت سابق بينما ترددت معلومات عن إمكانية فراره من سورية إلى اليونان.

صُوِّر عبدالحميد عبود البالغ من العمر 27 عاما في عدد من أشرطة الفيديو التي بثت على يوتيوب ويبدو في أحدها يقود سيارة ويسحب أربع جثث شوهها مقاتلو "داعش".

وقد أوردت وسائل الإعلام البلجيكية والإنجليزية بناء على وثائق عثر عليها خلال المداهمة أن الخلية كانت تخطط أيضاً لاستهداف باعة الصحف الذين يبيعون النسخة التي صدرت أخيرا من مجلة "شارلي إيبدو".

إلى ذلك، يشير جيل دي كيرشوف أن عمليات البحث والتقصي طالت في الأيام الأخيرة الأماكن التي تنشط فيها جماعة Sharia4Belgium. شكلت هذه المجموعة الإرهابية منصة انطلاق حقيقية للمقاتلين المتجهين إلى سورية. ومن أبرز أهدافها تدمير الديمقراطية وإقامة "دولة إسلامية" وقد ركزت تحقيقا لذلك على خمسة أنشطة: نشر الفكر الجهادي عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية، وتجنيد الشباب المسلمين من خلال الوعظ في الشارع، وتلقينهم الفكر الجهادي من خلال تدريب فكري أيديولوجي، فضلا عن أعمال العنف في بلجيكا والكفاح المسلح في سورية، وفقا للنيابة العامة البلجيكية. وقد بدأت محاكمة أعضاء المجموعة في أيلول (سبتمبر) الماضي.

استهدفت الموجة الأولى من الجهاديين البلجيكيين الذين أرسلوا للقتال في سورية، أشخاصا تم تجنيدهم من جماعة Sharia4Belgium في القاعات الرياضية وبالقرب من الجوامع وفي الشوارع. أما الموجة الثانية فنفذها أولئك الذين كانوا في سورية والذين طُلب من كل واحد منهم تجنيد خمسة من أصدقائه من خلال موقع التواصل الاجتماعــــــــي "فيسبــــــوك" وفق كورشيف.

تقدر السلطات البلجيكية أن نحو 335 شخصا انضموا للقتال في سورية والعراق في السنوات الأخيرة، ما يمثل النسبة الأكبر في أوروبا مقارنة بعدد سكان البلاد. "وهي نسبة هائلة إذا ما نظرنا إلى مجموع السكان، ففي فرنسا مثلا نتحدث عن 1000 شخص توجهوا إلى الجهاد من أصل 66 مليون شخص. أما بلجيكا فتأتي في الصدارة مع 300 إلى 400 شخص من أصل 11 مليونا" وفق بريوايز.

بلغ الإرهاب في السنوات الأخيرة الماضية في بلجيكا معدلات خطرة جدا بحيث فتحت النيابة العامة 60 تحقيقا جنائيا جديداً ضد مشتبه بهم في أعمال إرهابية، وتضاعف هذا الرقم في عام 2013 ليبلغ 150 حالة وفق تقارير صحيفة De Tijd البلجيكية. كما زاد عدد الملفات التي تحتوي على معلومات عن إرهابيين مشتبه بهم أيضا بنسبة 38 في المائة من 394 في عام 2012 إلى 547 في عام 2013. يشير بريوايز إلى أن "التلقين يبدأ أولا من بعض الجوامع التي تشكل قاعدة للتطرف الديني ومن ثم من المبشرين في الشارع وعلى الإنترنت".

إلا أن تاريخ بلجيكا مع الإرهاب ليس جديدا ويسبق الصراع الدموي في سورية. ذلك أنه قبل أيام قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، قام التونسيان دحمان عبد الستار وبوراوي رشيد العوير اللذان تم تجنيدهما في بلجيكا من القاعدة بقتل القائد أحمد شاه مسعود، الذي تميز بعدائه لطالبان والقاعدة في شمال شرق أفغانستان. وفي عام 2010، حكم على أرملة عبد الستار، منى العروب، بالسجن لثماني سنوات من قبل المحاكم البلجيكية بتهمة الإرهاب وتنظيم إرسال جهاديين الى أفغانستان.

بعد أفغانستان شكل العراق نقطة جاذبة للجهاديين البلجيكيين على غرار موريل ديجوك البلجيكية البالغة من العمر 38 عاما، والتي تعتبر أول امرأة من أصل أوروبي تنفذ تفجيرا انتحاريا باسم الإسلام المتطرف في 9 ديسمبر 2005 في بعقوبة، العراق. وكانت قد لقنت الفكر الجهادي من زوجها عصام جوريس.

إلا أنه ومنذ عام 2011 توجهت أنظر الجهاديين البلجيكيين إلى سورية. ففي تموز 2012 أوردت الصحيفة الفرنسية "لو فيجارو" أن الفرنسي البلجيكي من أصل سوري أبو حجار عاد إلى موطن أجداده لمكافحة نظام الرئيس بشار الأسد ملتحقا بمجموعة "صقور الشام". أبو حجار هو ابن الشيخ بسام عياشي الذي اتهم بإرسال بلجيكيين للجهاد في العراق وأفغانستان من دون أن يتم توقيفه.

لا شك أن شهية الجهاديين هذه ستهدأ بعض الشيء بعد العمليات الأمنية التي تنفذها السلطات، والتي ليس من الوارد أن تنقطع الآن بالأخص إذا اختار مزيد من المقاتلين الموجودين في سورية والعراق العودة إلى بلجيكا.

الأكثر قراءة