الكويت تخفض ارتباطها بالدولار إلى 25%.. وتوقعات بخطوات خليجية مماثلة
اتخذت الكويت أمس خطوة نوعية بشأن سياسة ربط سعر صرف عملتها المحلية بالدولار، إذ قررت اعتماد سعر صرف الدينار مقابل الدولار "على أساس سلة من العملات العالمية الرئيسية التي تعكس العلاقات التجارية والمالية مع دولة الكويت". وبرر رئيس البنك المركزي في البلاد اللجوء لهذا الإجراء بأن "تطبيق سياسة ربط سعر الدينار الكويتي بالدولار الأمريكي كانت له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الكويتي خلال العامين الأخيرين".
وأكد الشيخ سالم الصباح محافظ بنك الكويت المركزي في تصريح بثته وكالة الأنباء الكويتية، التزام الكويت "الكامل" بمشروع العملة الخليجية الموحدة الذي من المقرر نظريا أن يطلق في 2010، وأكد استمرار بلاده في بذل الجهود لتحقيق العملة الموحدة وإزالة المعوقات التي تواجه إطلاقها في الموعد الرسمي لها. واستدرك المسؤول الكويتي بالقول بأنه "لحين استكمال كل المتطلبات الفنية والتشريعية والمؤسسية اللازمة لقيام الاتحاد النقدي وإطلاق العملة الخليجية الموحدة فإن بنك الكويت المركزي سيستمر في تبني نظام السلة الخاصة كنظام لتحديد سعر صرف الدينار الكويتي".
ووفقا للشيخ سالم، فإنه على الرغم من محاولات بنك الكويت المركزي التخفيف من تأثير تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل العملات الرئيسية الأخرى من خلال استنفاد الهامش المسموح به للتحرك الصعودي في سعر صرف الدينار الكويتي أمام الدولار الأمريكي، إلا الانخفاض الكبير في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل العملات الرئيسية الأخرى وارتباط سعر الدينار به أسهما في تراجع القوة الشرائية للدينار الكويتي مقابل العملات الرئيسية بخلاف الدولار. وأشار إلى أن ذلك أسهم في زيادة معدلات التضخم المحلية ومن ثم فإن هذه الخطوة تأتي ضمن الجهود التي يبذلها البنك المركزي والرامية للحد من الضغوط التضخمية في الاقتصاد المحلي.
وذهب إلى أنه في ظل استمرار تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي أمام العملات الرئيسية الأخرى وحيث استنفد بنك الكويت المركزي جميع الفرص المتاحة أمامه للتحرك الصعودي في سعر صرف الدينار الكويتي أمام الدولار الأمريكي، فإن اعتبارات المصلحة الوطنية تقتضي فك ارتباط سعر صرف الدينار الكويتي بالدولار الأمريكي والعودة إلى نظام السلة الخاصة لتحديد سعر صرف الدينار الكويتي. وأكد المحافظ أنه بينما سيبقى للدولار الأمريكي دور مهم في تحديد سعر صرف الدينار الكويتي إلا أن نظام السلة الخاصة يوفر مرونة نسبية في تحديد سعر الصرف يسهم معها في تعزيز قدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص أثر التقلبات الحادة أحيانا وبخاصة في الأجل القصير في أسعار صرف العملات الرئيسية في الأسواق العالمية.
من جهته، أكد لـ "الاقتصادية" أمس خبير اقتصادي خليجي، أن تزايد عمليات المضاربة على الدينار أسهم في اتخاذ الكويت تلك الخطوة النوعية إضافة إلى "التذبذب الحاد للدولار الأمريكي" في الفترة الحالية، لافتا إلى أن الكويت عانت التضخم المستورد خلال الفترة التي أعقبت ارتباطها المطلق بالعملة الأمريكية في 5 كانون الثاني (يناير) 2003.
وأشار حجاج بو خضور إلى أن الحالة السعودية ليست مشابهة لنظيرتها الكويتية، لافتا إلى أن السعودية شهدت استقرارا نقديا على مدى عقود بسبب ارتباطها المحدد بالدولار "في حين تعرضت العملة الكويتية لمضاربات كثيفة بعد ارتباطها المطلق بالدولار". لكنه أكد أن "الدول الخليجية تراجع مواقفها في الوقت الحاضر بشأن ارتباطها بالعملة الأمريكية... وهو ما حدث بصورة أو بأخرى في الإمارات"، وأشار إلى أن "ظروف الدول الخليجية ليست واحدة تماما"، ولم يستبعد اتخاذ بعض دول مجلس التعاون إجراءات مقاربة.
وزاد بو خضور دون خوض في التفاصيل "أستطيع التأكيد أن الخطوة الكويتية تمت بالتنسيق مع دول مجلس التعاون.. أنا متأكد من ذلك"، رغم أن الخبير الاقتصادي يشكك في قدرة دول مجلس التعاون على إطلاق العملة الخليجية الموحدة في 2010 (الموعد الرسمي لإطلاقها)، واعتبر أن تدشين تلك العملة يحتاج إلى عدة سنوات أخرى.
وأكد أن تغيير ارتباط العملة الكويتية بالدولار الأمريكي "لا يعني إلغاء الارتباط تماما بالعملة الأمريكية... لكن تقييم الدينار بالدولار سيقتصر على 25 في المائة في حين أن 75 في المائة من تقييم العملة الكويتية سيكون من خلال سلة عملات أخرى". واعتبر أن توجه بلاده لفك الارتباط الوثيق بالدولار مناسب "مع تنامي قوى مهمة في شرق العالم وغربه".
وتوجد عدة عوامل تؤيد اتخاذ دول مجلس التعاون خطوات مماثلة للخطوة الكويتية، منها تأكيد صندوق النقد الدولي أن أسعار الصرف الحقيقية للعملات الخليجية انخفضت 12.5 في المائة خلال الفترة من 2003 إلى 2006 "بسبب سياسة ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، ونتيجة انخفاض قيمة الدولار أمام بقية العملات العالمية خلال الفترة نفسها".
وقال الصندوق في تقريره الذي أصدره قبل عدة أيام حول تطورات الأوضاع الاقتصادية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إن ذلك الانخفاض جاء بعكس المعطيات المالية والاقتصادية التي كان يفترض أن تقود إلى تقوية قيمة العملات الخليجية في الأسواق العالمية، وفي مقدمة تلك المعطيات زيادة فوائض الحساب الجاري لدول المجلس خلال الفترة من 2003 إلى 2006 ليبلغ 475 مليار دولار. إلا أنه في الجانب الآخر كان لتراجع أسعار الصرف الحقيقية، واتجاهها للارتفاع الطفيف خلال العام الماضي أثره الإيجابي في الحد من ارتفاع معدلات التضخم.
ووفقا لتقرير الصندوق الدولي، فإن العديد من العوامل أسهم في تلك الظاهرة الخليجية الفريدة، أهمها نظام التجارة الخارجية الحر الذي سمح بارتفاع الواردات لمواجهة الطلب المتزايد دون الحاجة إلى تغيير الأسعار، في الوقت نفسه فإن زيادة الإيرادات الحكومية لم تنعكس بشكل حاد على الإنفاق الاستهلاكي للحكومة، وإنما الإنفاق الاستثماري والبنية التحتية والتنمية البشرية. لذلك، ظل معدل التضخم عند 2 في المائة خلال الفترة من 2003 إلى 2005 ثم ارتفع خلال عام 2006. كما أن ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي وانخفاض قيمة الدولار أمام معظم العملات العالمية أديا إلى انخفاض سعر الصرف الحقيقي للعملات الخليجية 12.5 في المائة مقابل زيادة تراكمية في معدل التضخم بنسبة 10 في المائة مما حد من تأثير زيادة معدلات التضخم.
يُذكر أن معظم دول مجلس التعاون الخليجي شهد خلال عام 2006 ومطلع هذا العام زيادة ملحوظة في الأسعار، الأمر الذي حدا بالعديد من الحكومات الخليجية إلى زيادة رواتب الموظفين كان آخرها قرار حكومة الشارقة زيادة الرواتب بنسبة 30 في المائة.