عن روسيا وتسييس النفط

عن روسيا وتسييس النفط

[email protected]

لعبت العوامل السياسية دورا في إبقاء سعر برميل النفط مرتفعا خلال السنوات الماضية، والإشارة تحديدا إلى المواجهة الإيرانية مع الدول الغربية، وما يجري في نيجيريا من مواجهات بين الجيش الحكومي والمتمردين، تصبح بعض المرافق النفطية أو العاملون فيها من ضحاياها، ما يؤدي إلى انقطاع في حجم إنتاجي يقل أو يكثر ومن ثم يصبح له انعكاسه على السعر.
على أن للعامل السياسي جانبا آخر يتجاوز الوضع الآني لسعر برميل النفط إلى تأثيره في الأوضاع الجيوسياسية والاستراتيجية بصورة عامة.
وتشكل الحالة الروسية نموذجا مثاليا، وما جرى الأسبوع الماضي من إقناع روسيا لكل من كازاخستان تركمانستان إرسال شحنات الغاز المصدرة من بلديهما إلى الأسواق الخارجية خير دليل على هذا. فالخطوة تعد انتصارا دبلوماسيا للرئيس بوتين ونجاحا لاستراتيجيته الهادفة إلى توظيف موارد بلاده الطبيعية من النفط والغاز لاستعادة مكانتها لاعبا رئيسيا على الساحة الدولية. فبوتين لم يخف إطلاقا أن انهيار الاتحاد السوفياتي السابق يعد كارثة لا بد من بذل كل جهد لتلافي آثارها.
ومن هذه الآثار أن الولايات المتحدة بذلت جهدا كبيرا لإبعاد الجمهوريات السوفياتية السابقة عن الدوران في فلك روسيا مجددا، بخاصة أن الدول الثلاثة المطلة على بحر قزوين وتتمتع باحتياطيات من النفط والغاز تحتاج إلى ممر تتحرك عبره للوصول إلى الأسواق الدولية. وهدفت الاستراتيجية الأمريكية إلى إغراء دول بحر قزوين بتتجنب المرور عبر الأراضي الروسية أو الإيرانية، وفي تحد لحقائق الجغرافيا والتداخل السياسي والاقتصادي بين تلك البلدان.
وفي واقع الأمر فإن روسيا في مسعاها إلى استعادة مكانتها على الساحة الدولية مستفيدة من مواردها النفطية والغازية بدأت بالخطوة الأولى المتمثلة في إحكام سيطرتها على مفاصل الصناعة النفطية في بلادها، مستغلة كل ما تتيحه له سلطة الدولة من تعامل ضريبي إلى الجوانب البيئية. وكانت ضربة البداية الاتهامات التي وجهت إلى فيكتور خودروكفسكي مؤسس شركة يوكوس بالتهرب الضريبي، الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى تفكيك الشركة وبيعها، حيث أصبحت في نهاية المطاف وعبر فرعها الأكثر إنتاجا نفطيا في يد شركة حكومية.
وأتبعت ذلك بخطوات اعتبرت تصحيحا لما شهده عقد التسعينيات من بيع للكثير من أصول الدولة بخاصة في ميدان النفط والغاز بدعوى التخصيص، ثم أتبعت ذلك بخطوة أخرى استهدفت هذه المرة مشروع سخالين الضخم. وعبر أعمال بعض القوانين الإجرائية الخاصة بالبيئة تمكنت من حصول بعض الشركات الحكومية على حصة ممتازة في ذلك المشروع الحيوي.
إلى جانب هذا سعت روسيا إلى تقديم نفسها مصدرا مأمونا لإمدادات من النفط والغاز يمكن أن يشكل بديلا للإمدادات الواردة من منطقة الشرق الأوسط، التي اكتسبت سمعة كونها الأكثر تعرضا للتقلبات السياسية التي تجد في نهاية الأمر انعكاسا لها في سعر البرميل وربما في ضمان إمدادات تدفقه.
على أن الخطوة التي قامت بها موسكو العام الماضي ووقف صادرات الغاز عبر أوكرانيا المتجهة للأسواق الغربية ولخلاف على الأسعار أدى إلى إطلاق صيحات التحذير ورنين أجراس الإنذار المصحوبة بسؤال عن المدى الذي يعتمد فيه على روسيا مصدرا للإمدادات.
علاقة النفط والغاز بالسياسة قديمة، وما تأسيس منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) نفسها قبل قرابة نصف قرن من الزمان إلا دليل على هذا. الدول المنتجة بدأت في السعي الحثيث للحصول على سعر مجز لمواردها الموصوفة أنها ناضبة وأنها تسعى إلى استغلال العائد منها لتمويل مختلف أنشطتها والعمل على تنويع قاعدتها الاقتصادية بما يخفف عنها عبء الاعتماد على مصدر دخل وحيد تصبح تحت رحمته.
على أن الجديد في الخطوة الروسية أنها تأتي من دولة لها وضعها على الساحة الدولية، وأن النفط رغم أهميته للاقتصاد الروسي إلا أنه لا يمثل العمود الفقري لذلك الاقتصاد، كما أن همومها السياسية تتجاوز تلك التي تدور في مخيلة أي دولة عضو في (أوبك).
هل ستنجح روسيا في مساعيها الهادفة إلى استعادة مكانتها لاعبا أساسيا على الساحة من خلال العديد من الأوراق التي يأتي على رأسها النفط والغاز؟ هذا هو السؤال الذي سيتابعه المحللون السياسيون بدقة.
والنتيجة لن تكون قاصرة على صراع الدولتين العظميين سابقا وعودة مناخات الحرب الباردة كما بدا واضحا من التحركات السياسية والتصريحات المصاحبة لها، وإنما يمكن أن تكون لها تبعاتها في جوانب أخرى ربما تصل إلى أسلوب نظر (أوبك) إلى العامل السياسي المبعد رسميا.
وفي واقع الأمر فإنه ليس سرا أن الدول الأعضاء تستخدم النفط بصورة سياسية بصورة أو بأخرى، لكن المنظمة كمؤسسة قائمة بذاتها تسعى جهدها إلى البقاء بعيدا عن الميدان السياسي، وهي وضعية ليس واضحا إلى أي مدى يمكن أن تستمر وضعا في الاعتبار المتغيرات العديدة التي تحفل بها الساحة، حيث الكل يلجأ إلى كل ما هو متاح أمامه لاستخدامه، والنفط لن يكون استثناء في نهاية الأمر.

الأكثر قراءة