النظام السوري و «داعش» يوظفان النفط لكسب ولاءات قصيرة

النظام السوري و «داعش» يوظفان النفط لكسب ولاءات قصيرة

اعتمدت النجاحات التي حققها داعش في سورية والعراق على سياسة متعددة الأطراف وهي الاستفادة من الانقسامات الطائفية في هذين البلدين، والمعرفة الجيدة في استخدام السياسات القبلية فيهما، إضافة إلى استخدام القمع ضد قادة هذه القبائل عند الحاجة.
كان من أهم العوامل التي ساعدت على توسع داعش في العراق استغلال هذه المنظمة المتطرفة للعداوة بين السكان السنة وحكومة رئيس الوزراء العراقي السابقة، نور الدين المالكي، وهو الذي نتج عنه انتشار عدم ثقة السنة تجاه حكومة بغداد. ومن الأمثلة على ذلك المقابلة التي أجرتها صحيفة «التلغراف» البريطانية في شهر حزيران (يونيو) الماضي مع علي حاتم سليماني، زعيم أكبر قبيلة في العراق والتي لها روابط عائلية مع نحو ثلاثة ملايين فرد في العراق. قال سليماني في تلك المقابلة إنه يرفض فسخ تحالفه العسكري مع المجموعة الإسلامية المتطرفة ما دام رئيس الوزراء المالكي في السلطة.
يرى السنة الذين يمثلون نحو ثلث السكان في العراق أن الحكومة المركزية في بغداد هي لعبة بيد النظام الإيراني ويعتقدون أن الولايات المتحدة لا تعمل فقط مع إيران ضد داعش، وإنما أيضاً ضد النفوذ السني في المنطقة.
ويلخص الوضع تقرير نشرته أخيراً مؤسسة الدراسات الحربية (آي إس دبليو) وأعده كل من سنان عدنان وآرون ريز وكان تحت عنوان "ما وراء داعش: التمرد السني في العراق" يقولان فيه إن السكان (السنة) الذين يقف أغلبهم خلف خطوط سيطرة داعش، هم أكثر قرباً إلى نفوذ داعش والمجموعات السنية المقاتلة مما هم إلى الدولة العراقية أو إلى الائتلاف الدولي المضاد لداعش الذي تقوده الولايات المتحدة.
تضرب جذور هذه العداوة في تاريخ العراق الحديث. وحسب ذلك التقرير، فشل رئيس الوزراء العراقي السابق، نور الدين المالكي، بعد مغادرة القوات البرية الأمريكية للعراق في عام 2011، في توحيد أفراد الصحوات في الجيش الوطني، و"أقام سلطته على جهاز سياسي وأمني مركزي اعتبره أغلب السنة ذا طابع تسلطي وطائفي".
انفجر استياء السكان السنة في عام 2012، بعد أن قام رئيس الوزراء المالكي بإلقاء القبض على الحراس الشخصيين لوزير المالية السني رافع العيساوي في تحرك استهدف تهميش منافسي المالكي السياسيين. وحسب ذلك التقرير انتشرت خلال عدة أسابيع مظاهرات واسعة النطاق عبر المحافظات ذات الأغلبية السنية في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك وديالا، إضافة إلى مناطق سنية مجاورة لبغداد. وفي شهر نيسان (أبريل) من العام الماضي، اصطدمت قوات من الأمن الداخلي العراقية مع متظاهرين في بلدة الحويجة التابعة لمحافظة كركوك، ونتج عن ذلك مقتل العشرات.
كانت ردود الأفعال السياسية على حادث الحويجة هائلة، حيث تراجع زعماء القبائل من ذوي النفوذ عن مفاوضات كانوا يتطلعون لإجرائها مع حكومة المالكي واصطفوا مع داعش. وكان من بين ستة من الأشخاص الذين شكلوا المجلس العسكري لداعش في العراق، خمسة جاؤوا من القبائل الرئيسة الموجودة في قلب مناطق السنة.
يقول أندرو تابلر، الباحث في مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في مقابلة مع صحيفة "الاقتصادية"، إن المشكلة هي أن القبائل شعرت بأنها أصبحت منبوذة من حكومة العراق مثل غيرها من السكان السنة، وأنهم حتى لو كانوا مسلحين، فهل سيتمكنون من إنهاء العلاقة مع داعش؟
ولكن مشاعر فقدان الثقة ليست موجهة فقط تجاه حكومة بغداد، بل هي موجهة أيضاً ضد سياسة الولايات المتحدة في المنطقة. وقد ذكرديفيد إغناطيوس كاتب العمود الصحفي الأمريكي، في تعليق له كتبه في الفترة الأخيرة أن زعماء القبائل كانوا يحذرون منذ الربيع الماضي من صعود داعش ويلتمسون المساعدة من أمريكا. وفي شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي وجهت قبيلة البونمر، التي كانت جزءاً من الصحوات العربية التي تصدت للقاعدة في العراق، نداءً تطلب فيه المساعدة من القيادة المركزية الأمريكية والجيش العراقي عندما كانت داعش تتقدم نحو قاعدة القبيلة قرب بلدة الحيت الواقعة في منطقة سنية. ولذلك كان على هذه القبيلة الاستسلام، وفي الأسابيع التالية، ذُبح أكثر من 300 من رجال القبائل. وفي أوائل شهر كانون الأول (ديسمبر) أعدم داعش ثلاثة من زعماء القبائل العراقية من قبيلة الجبور الموجودة في مدينة الموصل الواقعة في شمال العراق، متهمين إياهم بأنهم كانوا يخططون للتمرد ضد هذه المجموعة الإرهابية. وحسب إغناطيوس: "تريد القبائل السنية قتال داعش، ولكنهم حلفاء "متعِبون وحذِرون للغاية". فهم لا يثقون ببغداد، والكثير منهم لا يثق بالولايات المتحدة".
وفي سورية، تأثرت استراتيجية داعش بسياسات نظام الأسد في المناطق الشرقية من سورية، وفعل داعش كما فعل الأسد من قبلها، حيث أخرج القادة التقليديين من صفوفه ووضع بدلاً منهم قادة منحهم مناصب عليا وميزات أخرى، وبذلك عملوا على تفتيت القوة والسلطة عبر القبائل.
وبنفس الطريقة التي اتبعها النظام، استخدم داعش عداوات اللاعبين المحليين تجاه بعضهم بعضا، واستخدم أساليب الترغيب والحوافز الاقتصادية والترهيب لاستحداث شبكة جديدة من الروابط. ولذلك أصبحت القبائل قادرة على إما كسب أو الحفاظ على منافع معينة مثل حماية أنشطة تهريب البضائع. كما كانت السيطرة على تجارة النفط حافزاً قوياً آخر لبعض القبائل. يقول تابلر: "استخدم داعش، مثله مثل نظام الأسد، أسلوب الجزرة والعصا المميتة. كانت الجزرة الأساسية التي استخدمها كل من النظام وداعش هي النفط، وذلك من حيث إنتاجه، وفي حالة داعش السماح لعائلات من قبائل معينة بالعمل في معامل نفط بدائية من التي يجلب إنتاجها العملة الصعبة المطلوبة بشدة. يمكن أن تنجح هذه التكتيكات فقط في المدى القصير، ولكنها لا تعزز من الولاء المطلق". وفي حالات أخرى، لجأ داعش إلى الرواية العرقية لتحريك الجماهير العربية، مستخدما شعارات مناوئة للأكراد كما حدث في الحالة التي سبقت معركة تل حاميس في أوائل هذه السنة.
وكما فعل داعش في العراق، فقد قام بتعزيز سلطته في سورية، إذ حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أعدم داعش منذ أن أعلن خلافته في شهر حزيران (يونيو) نحو 2000 شخص في سورية - نصفهم من قبيلة الشيطات. وقد قدرت هذه المنظمة أن نحو 930 شخصاً قتلوا على يد داعش من قبيلة الشيطات التي انتفضت ضد داعش في محافظة دير الزور الواقعة إلى الشرق من سورية. ويعتقد بعض الخبراء، مثل فابريس بالانش، أن قبيلة الشيطات كانت لديها خلافات مالية مع داعش وهي مرتبطة بأنشطة التهريب التي تقوم بها هذه القبيلة.
وخلاصة القول إن الدوافع العقائدية وحدها لا تُفسر دعم القبائل المحلية لداعش، سواء كان ذلك في العراق أو سورية. ففي العراق، وحسب تقرير مؤسسة دراسات الحرب، فإن أغلب المجموعات التي تقاتل مع داعش "لا تشاركها في أهدافها على المدى البعيد في العراق، إذ يقول تقرير مؤسسة الدراسات الحربية إن من الممكن أن يتحول بعض من هذه المجموعات إلى قتال داعش، ولكن الحكومة العراقية لن تجد في هؤلاء حليفاً مقبولاً بالنسبة لها، لأنهم يعارضون الحكومة الشيعية في بغداد". وفي سورية يمكن القول إن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية إضافية هي التي يمكن أن تفسر الدعم القبلي لداعش.
وفي النهاية نجد أن القبائل في كل من سورية والعراق أصبحت براجماتية عند صنع قراراتها. وستبقى تبحث عن اللاعب القوي في هذه اللعبة، وهو داعش الآن. ولن تتحول هذه القبائل ضد هذه التنظيم المتطرف إلا إذا ضعُف داعش فقط وقدم ضمانات لهذه القبائل.
وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) نشرت صحيفة إنترناشيونال بيزنس تايمز تقريراً مفاده أن رجال القبائل السنية في العراق كانوا يشكلون مليشيات خاصة بهم، لمساعدة الولايات المتحدة، على قتال داعش في الجزء الغربي من البلاد. وإضافة إلى ذلك، قالت الصحيفة نفسها نقلاً عن المؤسسة الإخبارية الكردية رودو، إن الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة وافق على تشكيل قوات من القبائل قوامها 50 ألف جندي. ولكي يكون مثل هذا التشكيل فعالاً في قتاله، هناك عنصر أساسي يجب أن تستعيده هذه التشكيلات من حيث علاقتها مع حكومة بغداد أو في سياسات الولايات المتحدة: وهو الثقة.

الأكثر قراءة