حملات أوروبية تدعو لإغلاق الحدود في وجه المهاجرين

حملات أوروبية تدعو لإغلاق الحدود في وجه المهاجرين

لسبعة أيام "اثنين" متواصلة من كل أسبوع تدفق المواطنون في شوارع مدينة درسدن الألمانية للاحتجاج على ما يرون أنه التأثير الزاحف للإسلام، وذلك بسبب زيادة عدد المهاجرين، وشهدت المسيرة الأخيرة عشرة آلاف مشارك.
وفي فرنسا تسعى الجبهة الوطنية إلى الحد من حصص الهجرة بنسبة الخمس، بينما يدعو رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي ينتمي لحزب المحافظين إلى وضع سقف لعدد المهاجرين بما فيهم القادمون من دول الاتحاد الأوروبي.
وعبر القارة الأوروبية نجد أن الأحزاب السياسية والحركات الشعبية أصبحت تتسم بروح عدائية بشكل متزايد في رفض تأثيرات الهجرة، غير أن ثمة أدلة متزايدة تقوض هذه المزاعم المناهضة للأجانب، ففي بعض الحالات تتلاشى المشاعر المعارضة للهجرة عندما تصطدم بحقائق الواقع.
ويقول فرانسوا كريبو مبعوث الأمم المتحدة الخاص حول حقوق المهاجرين "يجب علينا أن نحارب الأنماط والأوهام التي يتم رفع شعاراتها، والمتمثلة في أن المهاجرين يجلبون معهم الأمراض أو أنهم إرهابيون أو أنهم يسرقون الوظائف". وكشفت الدراسات التي أجريت في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا خلال الأسابيع الأخيرة عن أن المهاجرين يدفعون ضرائب تفوق ما يحصلون عليه من مزايا، ما ينفي المعتقدات بأنهم يبحثون بأي شكل عن الاستفادة بالمزايا الاجتماعية، أو أنهم يمثلون عبئا كاملا على كاهل المجتمع.
وفي محاولة لتفسير سوء الفهم لدى الرأي العام، أشارت دراسة أجرتها مؤسسة "فوندازيوني ليوني موريسا" الإيطالية لأبحاث الهجرة إلى أن إسهام المهاجرين في الخزانة العامة للدولة أقل "وضوحا" إلى حد كبير من وضوح حصولهم على الخدمات المتاحة محليا مثل الصحة والإسكان العام.
ويقول كورماك أو جرادا وهو أستاذ اقتصاد في جامعة دبلن متخصص في شؤون الهجرة "إن هناك فجوات ضخمة بين الافتراض والواقع، وأحد السبل للتعامل مع هذه الفجوة هو توضيح هذه النقطة في البلاد التي تستقبل المهاجرين وإعلامهم بأن معظم الأشخاص المهاجرين لا يريدون أن يكونوا سياحا يتمتعون بالرعاية الاجتماعية ولكنهم يريدون أن يعملوا". وأكد كريبو أيضا أن الدول الغنية تحتاج إلى المهاجرين لتولي الأعمال اليدوية والدنيا. وقال "إنه لا يوجد سياسي واحد يستطيع قول هذه الحقيقة، ولكننا بحاجة إليهم، نحن نحتاج إليهم لجني محصول الطماطم في إيطاليا وإسبانيا، والفراولة والتبغ في كندا، نحن نحتاج إليهم أيضا في الزراعة وأعمال البناء والفندقة، كما نحتاج إليهم في وظائف الرعاية والاعتناء بالصغار والمسنين".
وأشارت دراسة ميدانية أجرتها في أيلول (سبتمبر) الماضي مؤسسة "صندوق مارشال الألماني" إلى أن مشاعر العداء الشعبية تجاه المهاجرين كانت تتراجع إلى حد كبير عندما كان يقال للمشاركين في استطلاع للرأي العام إن عدد المهاجرين يقل بكثير في الواقع عن الحجم الذي يفترضونه. وبعد إخبارهم بالإحصائيات الرسمية الصادرة في دولهم انخفضت نسبة الأشخاص الذين كانوا يعتقدون بوجود أعداد "كثيرة للغاية" من المهاجرين من 58 إلى 27 في المائة في اليونان، ومن 54 إلى 31 في المائة في بريطانيا، ومن 44 إلى 22 في المائة في إيطاليا.
كما أشارت هذه الدراسة الميدانية إلى أن ما نسبته 60 في المائة من الأوروبيين لا يشعرون بالرضا إزاء السياسات الوطنية المتعلقة بالهجرة، وأعربت أغلبية نسبية مكونة من 40 في المائة عن رغبتها في فرض قواعد أكثر صرامة فيما يتعلق باللجوء. كما أن أحدث استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوروباروميتر" ونشر في حزيران (يونيو) الماضي، أشار إلى أن قضية الهجرة تحتل المرتبة الثانية عشرة كأكثر القضايا الملحة التي تثير قلقا لمواطني الاتحاد الأوروبي، وتأتي بمسافة طويلة بعد قضايا مثل التضخم والبطالة.
وشهدت أوروبا هذا العام موجة ثانية من تدفق المهاجرين الاقتصاديين الذين يسعون إلى تحسين أحوالهم المعيشية، وكذلك طالبو اللجوء من مناطق مثل سورية والعراق والقرن الإفريقي، ووفقا لتقديرات وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة يوجد 207 آلاف قادم جديد إلى جانب أكثر من 3400 حالة وفاة في عرض البحر.
وأدى ذلك إلى حدوث خلاف بين الدول الأوروبية حول كيفية المشاركة في المسؤولية بالنسبة للقادمين الجدد، إلى جانب تنامي الرفض وحالات متفرقة من أعمال العنف ضد المهاجرين في إيطاليا وهي الدولة التي تستقبل الكثير من طلائع المهاجرين. ويقول ماتيو سالفيني زعيم حزب رابطة الشمال الإيطالي والذي دشن مسيرة تحت اسم "أوقفوا الغزو" في ميلانو في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي "إن الهجرة لا تعد حقا مضمونا، فيجب على الراغب في الهجرة أن يقول (هل يمكنني أن آتي إلى بلدكم من فضلكم)، ثم عليه أن يتبنى الأعراف المحلية". ويريد سالفيني من إيطاليا والاتحاد الأوروبي إيقاف جميع عمليات إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط، قائلا إن دوريات السفن تشجع مزيدا من الناس على القدوم في رحلة خطرة بالبحر من سواحل شمال إفريقيا لسواحل صقلية. ويحتج كريبو على هذا المطلب قائلا "إن الأمر يشبه مشاهدة طفل يغرق في نهر ورفض إنقاذه حتى يتعلم الأطفال الآخرون ألا يسبحوا فيه، إنني أشعر بالأسف، لأن هذا لا يمثل القيم التي تربيت عليها وأؤمن بها".
ويرى هذا الخبير بالأمم المتحدة أنه من الأفضل لأوروبا وغيرها من الاقتصاديات الغنية مثل بلده كندا ومثل الولايات المتحدة وأستراليا الإقرار بحتمية الهجرة، والسعي لجعلها سهلة الإدارة ومأمونة على قدر الإمكان. وأعرب عن اعتقاده بأن سياسات الهجرة المفتوحة لن تنقذ الحياة فقط، وإنما قد تجلب إيرادات أيضا من خلال رسوم تأشيرات الدخول. وقال كريبو "إن الحال يشبه ما حدث مع حظر الكحوليات في الولايات المتحدة، فعندما تم إلغاء الحظر انتهى نشاط المهربين، واستفادت الحكومة من ذلك".

الأكثر قراءة