العدالة السريعة
يزخر موروثنا الاجتماعي بالأمثال والحكم والقصص التي تنزه القضاة، وتضعهم في مرتبة قريبة من العصمة. حتى إن بعضهم رأى أن الظلم إن انتشر بين الناس فهو العدل بعينه. فالمثل الشعبي يقول، ظلم بالسوية عدل بالرعية.
أول ما يصدم في هذا المثل هو تشبيه المتقاضين ببهيمة الأنعام التي لا ندري أين موضع القاضي منها. فهو إن كان بشرا فذاك أوضح أمثلة تفضيل الفئة والتفرقة بين الناس، أما إن كان غير ذلك فهو إهانة له.
الظلم الذي يتبناه المثل ويعتبره عدلا - إن هو لم يفرق بين الناس- يضع الناس تحت رحمة وجبروت من يؤمن بصحته، أي أن الحاكم سيتحول إلى ديكتاتور يظلم هذا وذاك ليتحول الظلم إلى عدل على الرغم من قصمه ظهور الناس. أخيرا لا يمكن أن يصدق أحد أن هناك ظلما يساوي بين الناس، فسيخرج أصحاب الحظوة والقيمة والرأي والقرابة من تلك المعادلة ليرتفعوا من مستوى الرعية إلى الرعاة.
بعيدا عن الموروث وإشكالاته، يبقى القضاء أكثر الوظائف تطلبا من ناحية الوقت والتوقد الذهني والمعرفة الشرعية والحاجة للاطلاع على أحوال وقضايا مشابهة في مدونات الأحكام القضائية. القاضي مطالب بالاطلاع على أحوال الناس والتفاعل معهم والإلمام بالقضايا الاجتماعية ونوعية المشكلات التي توجد الحاجة للتقاضي بين الخصوم.
مع كل ذلك، تبقى أهمية استعجال البت في القضايا وإصدار الأحكام بما يحقق العدالة كما يراها القاضي كمتخصص عالم ومحايد. سرعة إنجاز المعاملات تقتضيها حاجة الناس، وتأثر أحوالهم بتأخر صدور الأحكام، وإيمانهم بالقضاء كوسيلة لحل النزاعات بالطريقة الصحيحة.
أعجبني التطور الكبير في تنظيم أعمال القضاء والاهتمام بإصدار التنظيمات والسياسات وأدلة الإجراءات التي تساعد على تحقيق مرونة عالية في مرفق القضاء. أضف إلى ذلك توجه ديوان المظالم لإعادة هندسة عملياته وحوسبتها، كما أكد رئيس الديوان.
يبقى أن نشاهد أثر ذلك واقعا، فالمتقاضون أمام الديوان يشكون طول المدة، ومجاملة القطاعات التي تتجاوز على المواطن. الأسوأ من ذلك كله هو وجود قطاعات ترفض تنفيذ الأحكام وأخرى خارج نطاق سلطة القضاء الإداري. هنا يجب أن تكون الآلية المتبعة للإلزام بالتنفيذ واضحة ومرتبطة بالوزارات ذات الصلاحية كوزارة المالية والخدمة المدنية ليتمكن الديوان من تحقيق العدالة السريعة.