حادثة فيرغسون .. ازدواجية أمريكية في السياستين الدبلوماسية والإعلامية
الاستقطاب العرقي ومظاهرات احتجاجية وشيء من الشغب كانت أبرز عناوين ردود فعل المجتمع الأمريكي تجاه قرار هيئة المحلفين بعدم ملاحقة الشرطي الأمريكي دارين ويلسون الذي قتل بالسلاح الناري مواطنا أمريكيا إفريقيا متهما بالسطو على محل تجاري في آب (أغسطس) الماضي.
مشكلة قديمة
مشاهد حرق سيارات الشرطة ونهب المحال التجارية في مدينة فيرغسون بولاية ميزوري بدت كنسخة مصغرة من أحداث الشغب الدموية التي ضربت مدينة لوس أنجلوس في عام 1992 وأسفرت وقتها عن مقتل ما يزيد على 50 شخصا. تلك الأحداث التي انطلقت شرارتها من منطقة جنوب وسط لوس أنجلوس المعروفة بفقرها المدقع لتشمل باقي المدينة بدأت إثر قرار قضائي مشابه بعدم ملاحقة أربعة من رجال الشرطة البيض الذين كانوا قد قاموا بالاعتداء بشكل وحشي على المواطن الأمريكي رودني كنج في الحادثة الشهيرة.
أحداث فيرغسون أعادت إلى السطح قضية التعامل القاتل للشرطة الأمريكية مع مواطنين غير مسلحين وبالخصوص مع الأقليات العرقية، وهي القضية التي تتجدد بشكل سنوي تقريبا. ففي مدينة كليفلاند بولاية أوهايو وقبل يوم من صدور قرار هيئة المحلفين بشأن حادثة فيرغسون، قتل طفل أمريكي لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره برصاص الشرطة الأمريكية بعد أن اشتبهت في استخدامه لسلاح اتضح فيما بعد بأنه "مسدس لعبة". وبحسب مجلة "ذا نايشن" الأمريكية فإن العام الماضي وحده شهد أكثر من 460 حادثة قتل فيها رجال الشرطة مواطنين باستخدام السلاح الناري.
ثغرة قانونية
الرئيس الأمريكي باراك أوباما في بداية تعليقه على القرار القضائي أكد أن أمريكا قامت على مبدأ سيادة القانون وبناء على ذلك يتحتم القبول بقرار هيئة المحلفين. تعليق الرئيس الأمريكي في هذه الجزئية لم يختلف كثيرا عن تعليق الإعلامي اليميني المحافظ وأحد أشد معارضي أوباما بل أورايلي الذي أبدى تفهمه لمشاعر غضب بعض الأمريكيين ولكنه أكد في الوقت نفسه أن التسليم بالقرار هو جزء من النظام في أمريكا ويتعين القبول به.
صحيفة «ذا نايشن» الأمريكية خصصت تقريرا لرصد الجوانب القانونية التي تصعب من الإدانة القضائية لرجال الشرطة الأمريكية في الحوادث المشابهة لحادثة فيرغسون. أحد هذه الجوانب هو حق الشرطي في استخدام السلاح في حال تولدت لديه أسباب مرجحة لتعرضه لخطر الإيذاء من الشخص الذي يقوم بملاحقته. وهذا الحق القانوني كفله حكم المحكمة العليا في منتصف الثمانينيات الميلادية بعد حادثة قام فيها شرطي بقتل صبي أعزل بعد سرقته لمتعلقات بسيطة من أحد المنازل. أي أن آلية ذاتية من تقييم الموقف من قبل الشرطي تعطيه الحق في استخدام السلاح وهو الأمر الذي اعتبره البعض "ثغرة قانونية" استفاد منها الشرطي الأمريكي في حادثة فيرغسون بعد أن أكد بأن مواجهته مع الشاب القتيل كانت أشبه بمواجهة طفل في الخامسة مع المصارع هالك هوجان.
رسائل مزدوجة
قد تبدو أحداث فيرغسون وعنف الشرطة الأمريكية مع المواطنين من صميم الشأن المحلي الأمريكي، لكنها لا إراديا تكتسب زخما دوليا لأنها تبرز تناقضا بين رسائل الحكومة الأمريكية في الشأن الداخلي ورسائلها للدول الأخرى عندما يتعلق الأمر باستخدام الشرطة للقوة مع مواطنين عزل أو عند حدوث اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين غير سلميين في هذه الدول أو حتى من ناحية التدخل الأمريكي في الأحكام القضائية للدول الأخرى.
كما أنها تشوه الصورة التي تسعى الحكومة الأمريكية لترسيخها عن نفسها كراعية لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات حول العالم، بينما تعجز هي عن حل مشكلات عرقية متجذرة في المجتمع. الرئيس الأمريكي ومعه أغلبية النخب السياسية والإعلامية استنكروا بشدة أحداث الشغب وإشعال الحرائق وقطع الطرق التي قام بها بعض المحتجين في مدينة فيرغسون وعدة مدن أخرى.
هذه المشاهد لا تختلف عن مشاهد مماثلة وإن كانت أكثر إرهابا وشغبا شهدتها شوارع ومبانٍ حكومية في مصر والبحرين ومدن عربية أخرى. وفي كثير من الأحيان كان تعليق الإدارة الأمريكية على تصدي الشرطة في الدول العربية للتظاهرات غير السلمية مرتبطا بانتقاد لما تسميه "الاستخدام المفرط للقوة" من قبل الشرطة. كذلك كان هناك انتقاد لأحكام قضائية صدرت بحق مخالفين لأنظمة التظاهر في هذه البلدان. لذلك لم يكن من المستغرب أن يحظى الحكم القضائي وتبعاته بتغطية إعلامية دولية مكثفة بداية من تعليقات الأمين العام للأمم المتحدة التي أوصى فيها بضبط النفس ومرورا بتغطية الصحف الغربية وانتهاء بأنصار "داعش" على "تويتر".
تفاعل دولي
صحيفة هافنغتون بوست الأمريكية رصدت تغطيات الصحف الأجنبية في إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا للأحداث وتركيزها على المشكلة العرقية في أمريكا وتداعياتها على الحكم القضائي.
الواشنطن بوست أشارت بدورها إلى التباين بين عناوين نسختي شبكة السي إن إن المحلية والدولية للأحداث. إذ أشارت النسخة الأمريكية من موقع الشبكة للأحداث بعنوان "اندلاع العنف" وهو العنوان الذي يصم المتظاهرين بالعنف، بينما وصفت النسخة الدولية الأحداث بعنوان "اندلاع الاحتجاجات" وهو عنوان أقل حدة.
تبعات قرار هيئة المحلفين شكلت أيضا فرصة لبعض الدول لكي تصفي حساباتها مع السياسة الخارجية الأمريكية. فمبعوث وزارة الخارجية الروسية لحقوق الإنسان علق على الأحداث بقوله: إن قضية العنصرية في أمريكا تشكل تحديا للمجتمع والديمقراطية في أمريكا. وهو تعليق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن انتقادات الخارجية الأمريكية لما تصفه بالانتهاكات الروسية لحقوق الإنسان في أوكرانيا وكذلك تعليقات الخارجية الأمريكية على أحكام السجن التي أصدرها القضاء الروسي ضد فرقة "بوسي ريوتس" الغنائية قبل نحو عامين.