رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رقصة العار

أمر غريب هذا الذي يحدث .. هذه الحفاوة من المحيط إلى الخليج، بهزيمة حزيران (يونيو) 1967، الفضائيات، الإذاعات، الصحف والإنترنت تفتح حنفيات تقارير أحاديث، حوارات ومقالات عن تلك الهزيمة، بعضهم يسميها نكسة.. لا أهمية للأسماء، إنما لماذا الآن؟ لماذا بعد 40 عاما؟ هل هو تيمن بالأربعين عاما لحرب أجدادنا في داحس والغبراء أو شقيقتها البسوس؟ وما يعني أن يتفق الجميع على النبش واللطم في هذا العام وليس قبله بعام أو أعوام؟ وكيف تم هذا الإصرار على أن يرقص الجميع رقصة العار بالصوت والصورة أو بالكلمات والحروف أو بما ملكت مواهبنا؟!
ما الجديد في هذه الأحاديث.. وقد قيلت مرارا مرارا؟ كتبت آلاف الكتب عن هذه الهزيمة، آلاف الدواوين، المسرحيات، القصص، الروايات، اللوحات، والأفلام وبحت ملايين الحناجر منذ الترعرع من المهود إلى الثواء في اللحود؟!
معظم زعماء وقادة تلك الحرب رحلوا، تركوا لنا العار ورحلوا.. أما من بقي منهم فقد أكلت السنوات أو الأهواء وحزازات النفوس بعض الحقائق عندهم أو أنهم صنعوا من أخيلتهم حقائق ثم الصقوها بصمغ الالتباس وما من جديد غير البث، غير ماكياج وجوه الإعلاميات والإعلاميين وديكور الاستوديوهات... وإلا، فكله عود على بدء أو بدء على عود، ومن جيء بهم من أعماق النسيان ليلقوا بشهاداتهم قالوا ما لا يمكن نفية أو إثباته.
إذاً، لماذا هذا الهيجان الحزيراني الإعلامي الجماعي؟ هل حدثت المعجزة على حين غرة فجمعت الحفاوة بالهزيمة هذه الأمة إعلاميا على صعيد واحد كما لم تجتمع قط ومن أجل ماذا؟ ألكي ترغمنا نحن أهلها وجمهورها من العرب والأعراب على أن نتجرع إكراما لعين هذه المناسبة المذلة مرارة هزيمة لا دخل لنا فيها ولم نستشر أطفالا أو شبابا أو آباء في أمرها، لا من قريب ولا من بعيد؟!
يا الله كيف تأتي لهذه الفضائيات وغيرها التلهف على إدماء أكباد العرب وعلى تقريح جفونهم من البكاء وكأن نزيف أكباد هذه الأمة قد توقف أو أن مآقيها قد جفت وهي التي تزدرد مع كل نشرة أخبار شحنات من الفزع المريع تغور في اللا وعي العربي الأعرابي كوابيس ودوارا من السهاد الغاشم القانط.
ماذا يريد منا إعلامنا العربي أن نسمع وأن نشاهد؟ فمنذ "سايكس بيكو" إلى اليوم والدم والعويل والأنين تطفح بغزارة من سماعات المذيعات وشاشات التلفزة ناهيك عن الصحف والمنتديات.
ومع ذلك سمعا وطاعة، فقد قرأنا وسمعنا مرارا كيف سخر وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك "موشي دايان" بالعرب وأنه جالس في مكتبه بانتظار مكالمة هاتفية منهم للتوقيع على الاستسلام .. رحلت تلك المقولة فينا من لسان إلى لسان، من أذن إلى أذن، من قلم إلى قلم، من مقال إلى مقال ومن كتاب إلى كتاب، لكن أحدا لم يقل لنا بالضبط متى قال "دايان" ذلك؟ أين نشر هذا التصريح؟ سرت تلك المقولة فينا سريان النار في الهشيم، النار كانت كلمات "دايان" ونحن كنا الهشيم، وما من أحد "فرمل" تلك المقولة، أو دلنا على مصدر هذه الحفاوة المخزية بكلمات "دايان"، على الأقل لكي نتثبت أننا لم نركض خلف إشاعة وأننا فعلا ابتلعنا الطعم مثلما نحن اليوم نبتلع طعوم وابل قصف كلمات إعلامنا العربي في "وحدته القومية" حول هزيمة 1967.
يا لها من أمة تعسة، مولعة بلعق جراحها كأنه لا يكفيها أن جسد كرامتها مثخن بالجراح كسجد خالد بن الوليد: في كل شبر منه ضربة من سيف أو طعنة من رمح .. ألا فلا نامت أعين الجبناء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي