تغيير الإجازة الأسبوعية .. بين العاطفة والموضوعية!
كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول إمكانية تحويل الإجازة الأسبوعية من الخميس والجمعة إلى الجمعة والسبت، أي إحلال يوم السبت محل يوم الخميس كإجازة، وبقاء يوم الجمعة بحيث يكون هو اليوم الأول للإجازة الأسبوعية بدلا من يوم الخميس، ووصل الأمر إلى قبة مجلس الشورى، وبرزت أصوات كثيرة تنادي بهذا التحول، خاصة بعدما تجاوبت معه بعض دول مجلس التعاون .. وكان الدافع الرئيس لذلك هو محاولة تقليص التفاوت الكبير في أيام العمل الأسبوعية بيننا وبين معظم أقطار العالم، حيث نعطل نحن يومي الخميس والجمعة، ويعطلون هم يومي السبت والأحد، فتضيع أربعة أيام من الأسبوع تنحسر خلالها التعاملات التجارية والاقتصادية وغيرها، ويصيب الفتور كثيرا من الأنشطة الحياتية!.. ويدفع المؤيدون لهذا التوجه بعدم وجود محاذير اجتماعية أو دينية تكتنف الموضوع، وأنه كما تعود الناس على التكيف مع يوم الخميس، سيتعودون على يوم السبت!.. هذا في حين لا يرى المعارضون للتغيير فائدة كبيرة منه، فيما عدا العمل طوال يوم الخميس، وبالتالي تقليص أيام الاختلاف والتعارض بيننا وبين العالم الخارجي إلى ثلاثة بدلا من أربعة!.. يقابل ذلك الصعوبات التي ستصاحب تغيير ما اعتاد الناس عليه، وبخاصة ما ارتبط به يوم الخميس في عاداتهم وتقاليدهم من كونه يوم فسح وزيارات ومناسبات، بل وأداء أعمال وواجبات في القطاع الخاص بالذات، ويخشى أن ينتقل ذلك إلى يوم الجمعة، عندما يصبح هو اليوم الأول في الإجازة، ويؤثر هذا في المكانة الروحية لهذا اليوم.
ولا شك أن لكل من الرأيين وجاهته وأسبابه، ولكل منهما فوائده ومحاذيره، ويحسن بنا التأمل في ذلك بعناية وحذر، ومحاولة استقراء النتائج المتوخاة من التغيير، وربطها بالواقع، وتقدير حجم الفوائد والخسائر، ومقارنة الوضع الحالي بما سيكون عليه الوضع بعد التغيير، وذلك قبل الإقدام على التغيير، رغبة في أن يأتي القرار ملبيا لحاجة فعلية ومحققا لمطالب وطنية، بعيدا عن العاطفة، والتأثر بما فعله الآخرون.
ويحسن بنا التذكير، عند الحديث في الموضوع، بأن معظم القطاعات الاقتصادية في البلاد تعمل يوم الخميس، إما يوما كاملا إما نصف يوم، وأنه ليس يوم إجازة، وأن النظر إليه كيوم إجازة جاء بسبب كون الحكومة تعطل فيه دون سواها..! ولم يسبق أن كان هناك تنظيم يلزم القطاع الخاص بالتعطيل في هذا اليوم.. ومن هذا المنطلق فنحن نتجاوز الواقع عندما نسميه يوم إجازة، ونفترض إسقاطه من حساب التعاملات الاقتصادية بيننا وبين العالم، بخلاف ما يجري حاليا، حيث يعمل معظم منشآت القطاع الخاص، إن لم يكن كلها، يوم الخميس!..
وإذا كان هذا هو الواقع، أي أن يوم الخميس كله أو نصفه، على الأقل، عمل، فيما عدا دواوين الحكومة، وأنه ينظر إليه على أنه بداية الإجازة الأسبوعية، ثم قمنا بإبداله بيوم السبت فأين سيترحل هذا العمل؟! وهل نتصور أنه سينتقل إلى يوم السبت بحيث يعمل الناس فيه ولو نصف دوام؟! رغم أنه اليوم الثاني والأخير في الإجازة الأسبوعية التي تعقبها بداية أسبوع جديد؟! وهل سيكون هذا مقبولا لدى الناس الذين اعتادوا على أن اليوم الثاني في الإجازة الأسبوعية هو يوم راحة كاملة، يستعدون فيه لبداية أسبوع جديد؟! أم سيترحل عمل يوم الخميس إلى يوم الجمعة، باعتباره اليوم الأول في الإجازة، وباعتبار ما اعتاد الناس عليه؟ وهل هذا ممكن عمليا؟! وهل يتناسب مع يوم الجمعة وتكوينه ومكانته وارتباطه بوجدان المسلمين كيوم عبادة وراحة كاملة؟! أم أننا سنفترض أن كلا اليومين، الجمعة والسبت، في حالة التغيير، سيكون بالكامل إجازة؟ لانعدام فرصة العمل فيهما، كما رأينا، فإننا في هذه الحالة سنخسر التواصل مع العالم عمليا، الذي يتم يوم الخميس في ظل الوضع الحالي، ونصبح كمن رجع بخفيّ حنين، أو كمن عناه الشاعر بقوله:
ومكلّف الأيام فوق طباعها ** متطلّب في الماء جذوة نار
وغالبا ما يتجه الذهن، عند الاسترسال في الحديث هنا، إلى القطاع البنكي وارتباطه مع العالم من خلال التعاملات البنكية والاقتصادية وأسواق المال، وأن في تعطيله يومي الخميس والجمعة فقدانا وتوقفا لكثير من صلات التعامل مع العالم!.. وهنا نشير إلى أنه إلى وقت قريب كان هذا القطاع يعمل يوم الخميس، وأنه هو الذي كان وراء المطالبة بإلحاح بجعل يوم الخميس إجازة لسببين: الأول الرغبة في حفز الشباب المؤهل على الانخراط في العمل البنكي، لما لوحظ من أن العمل ستة أيام في الأسبوع كان من أسباب تردد الكفاءات الوطنية في الإقبال على ذلك، والثاني أنه لم يكن يواجه مشكلة في التواصل مع العالم خلال العطل والإجازات، لتغلبه على ذلك من خلال تشغيل الوحدات والأقسام المسؤولة عن هذا الجانب في أي وقت يراه.
من ناحية أخرى، فإن المشكلة، إن كانت موجودة، لا تقتصر على أيام الإجازات، بل إن مشكلة الاختلاف مع العالم هي في التوقيت بين شرق العالم وغربه بالنسبة لنا، ففي الوقت الذي تغلق فيه أسواق الشرق نبدأ نحن العمل، وعندما ننتهي يبدأ غيرنا في الغرب عملهم، ومع ذلك لم يثر أحد هذه المشكلة من قبل، بل تكيفت البنوك وغيرها مع هذا الواقع وتأقلمت معه، ومن ثم فإن المشكلة لا تقتصر على أيام الإجازات، بل هي أكثر وضوحا في التوقيت، ومع ذلك لم يشك منها أحد لأنها أمر واقع غير قابل للتغيير.
أعود وأقول، قبل الختام، إنه ليس لدي حساسية ضد التغيير أو التطوير إذا كانت المصلحة ظاهرة فيه، بيد أنه يخشى أن نكون مدفوعين أكثر بالتعاطف مع توجه التغيير من أجل التغيير، ومحاكاة الآخرين، دون أن نفكر في العواقب، ونحسب الفوائد، ونقارنها بالمساوئ والمحاذير التي قد تحصل، وهو ما نرجو أن ينصب عليه التفكير من لدن كل من يتناول المسألة بالبحث والدراسة، قبل اتخاذ قرار فيه.
والله من وراء القصد.