الخطيب في «موسكو».. خطأ سياسي أم دعوة حان وقت قبولها؟
في شهر آذار (مارس) 2013، استقال أحمد معاذ الخطيب رئيس "الائتلاف الوطني السوري" سابقا من منصب بقي فيه لبضعة أشهر فقط حتى "يتمكن من العمل بحريّة" على حدّ قوله. وقال الخطيب وقتها: "كنت قد وعدت أبناء شعبنا العظيم، وعاهدت الله أنني سأستقيل إن وصلت الأمور إلى بعض الخطوط الحمراء، وإنني أبرّ بوعدي اليوم وأعلن استقالتي من الائتلاف الوطني، كي أستطيع العمل بحرية لا يمكن توافرها ضمن المؤسسات الرسمية".
نشاط الخطيب السياسي، هو الذي اعتقل مرارا في عام 2012 لأنه دعا علنا إلى إسقاط النظام في دمشق، ومنع من التحدث في المساجد السورية بأمر من السلطات السورية، لم يتوقّف بانسحابه من الائتلاف. ويروي أحد المقرّبين من الخطيب في حديثه لـ "الاقتصادية" أنّه شخصية مميّزة عن باقي شخصيات المعارضة السورية، حيث نجح في حجز حيّز مستقلّ بشكل ما وبرز تحت عنوان استعادة سورية ووقف حمّام الدمّ فيها، من دون أن ينجرّ إلى أن يكون محسوبا على جهة معيّنة. "فعلى رغم وجوده في قطر وعلاقاته هناك، غير أن الخطيب حافظ على استقلاليته، وموقعه النقدي الذي برز خلال خطابه الشهير في القمة العربية"، يقول المصدر:
والخطيب، على حد ما يصفه المصدر المقرّب منه، براغماتي وموضوعي في مقاربته للموضوع السوري. وهو من مواليد عام 1960، رجل دين معتدل إلى حدّ وصفه بسليل الإسلام الصوفي، كان قبلا إمام مسجد الأمويين في دمشق، وليس له أي انتماء سياسي حزبي. وقد عاد أخيرا الخطيب إلى الظهور في زيارة إلى موسكو، أثارت الكثير من الجدل، خاصة أنّه سبق ورفض زيارة روسيا في دعوات سابقة. وتوضيحا لزيارته، قام بعدها الخطيب بنشر رسالة طويلة تحت عنوان "هل تشرق الشمس من موسكو"؟
يقول المصدر إن "مبادرة الخطيب ليست الأولى من نوعها، فهو سبق أن انتقد في مجالسه الخاصّة التواطؤ العالمي ضد سورية وعدم مساندة المعارضة بما يكفي، وقام بمبادرة مدعومة من أحد رجال الأعمال السوريين ضمّت سبع نقاط وأرسلها إلى بشار الأسد. سرعان ما أجهضت المبادرة بسبب تدخل قوى إقليمية وغربية حتى، وأدرك الخطيب ألا مصلحة دولية بإنهاء حمّام الدم في سورية". ومبادرات الخطيب لا تتنافى، بحسب المصدر، مع رفضه المطلق للنظام وتحميله المسؤولية الأولى لما يحدث في سورية اليوم.
والآن، يعود الخطيب في خطوة، على قدر ما قد تكون استفزازية لبعض الأطراف، لكنها واقعية بحسب البعض الآخر، خصوصا في ضوء الوضع الداخلي في سورية والضعف على مستوى المعارضة السورية. أوّل منتقدي هذه الزيارة كان الائتلاف السوري عبر مدير مكتبه الإعلامي "خالد الصالح" الذي وصف الاتجاه نحو موسكو بالنسبة له، كخطأ كبير، "لأن خطوة كهذه تحتاج إلى إجماع المعارضة ككل ولأن رفع المعاناة عن السوريين لا يكون باستجداء الرحمة من القاتل أو شريكه".
فيما الخطيب لم يذهب وحيدا، بحسب ما يرى مؤيدوه، إذ ترأسّ وفدا ضمّ سفير الائتلاف في الدوحة نزار الحراكي ورئيس هيئة الخارج في الحكومة المؤقتة وعضو وفد جنيف حسام الحافظ، وغيرهما. وتزامنت زيارة الوفد إلى موسكو بزيارة من رئيس جبهة النضال الوطني النائب اللبناني وليد جنبلاط، الذي غرّد أخيرا أن "الشعب السوري سينتصر عاجلا أم آجلا".
وينفي المصدر المقرّب من الخطيب ما تناقلته وسائل الإعلام عن "حكومة انتقالية برئاسة الخطيب لمحاربة الإرهاب"، ويقول إنّه "لا يزال من المبكر الحديث عن طروحات كهذه. نعم، نحن ضد الإرهاب طبعا لكن يجب ألا ننسى أن المظاهرات خرجت سلمية من كل الأحياء السورية، وبالتالي العنوان الأساسي ليس الإرهاب كذريعة فحسب، بل ممارسات النظام الإرهابية كذلك".
#2#
بحسب الصحافي اللبناني والمحلّل السياسي فداء عيتاني، المتابع للوضع السوري عن كثب، فإنّ "للخطيب تمثيلا على أرض الواقع طبعا، لكن ما حجم تمثيله وما مدى تأثيره على القوى المسلّحة الداخلية؟". ويقول عيتاني إن "الخطيب فعلا قام بعدة مبادرات خارجة نوعا ما للسياق الأمني والعسكري العام، لكن التسوية السياسية ترتبط بطموحات الفريقين المتنازعين بوقف القتال، وهذا ما لا يبدو أنّه سيحدث قريبا، حيث لم يعلن المتقاتلون– سواء من جهة النظام أم المعارضة– وصولهم إلى حدّ الإنهاك". "لا يمكن فصل المعادلة السياسية عن معادلة الداخل العسكرية"، يؤكّد عيتاني.
وعن وجود ارتباط بين المفاوضات النووية الإيرانية المرتقبة والأزمة السورية، يشير عيتاني إلى أن "المفاوضات النووية لن تؤدي إلى حل شامل للملف الإيراني، أقلّه ليس الآن، وقد كانت هناك محاولات لعزل الملف السوري عن الملف الإيراني النووي. وبالتالي لا يمكن التحدث عن حل شامل إلا في ضوء تسوية إقليمية ودولية شاملة، حيث من الواضح أن المسألة السورية باتت مركز نزاع إقليمي– دولي، على غرار ما حصل عند إرساء اتفاق الطائف اللبناني وإنهاء الحرب الأهلية".
وأكد عيتاني أن المشكلة الحقيقية هي "حالة التشتت التي تعيشها المعارضة السورية، وما يمكن أن يشكّل حلا للأزمة هو إمكانية السوريين على مراكمة قوة ذاتية صلبة لتفاوض العالم بأسره وتعيد لهم وطنهم". ويضيف أن "السوريين، والسنّة تحديدا، هم القادرون على طرد داعش من بلادهم عند توحّدهم"، ويذكر كمثال "تمكّن المعارضة المسلحة السورية من طرد تنظيم داعش من حلب وإدلب عند توحّدها.. اليوم، يحاول الأسد أن يظهر كالوحيد القادر على محاربة الإرهاب، ولا يمكن الاستمرار بمدّه بذريعة كهذه".
وعن مفاوضات السلام في سورية، يوكد عيتاني أن "هذه المفاوضات لن تنجح طالما تبقى شكلية ولا تقترن بخطوات عملية على الأرض لنقل صلاحيات بشار الأسد إلى حكومة انتقالية". وعن استمرار الدم والقتال، يقول عيتاني إن "الحداثة اليوم لا تعترف بنا كأفراد، ولا تحصي عدد القتلى ولو كانوا 300 ألف"، ولهذا ثبت ألا مكان للرومانسية والعواطف في النظام العالمي".
من جهته يؤكّد الخطيب اليوم أن مبادرته، وإن كانت عبر الحليف الروسي الأبرز للأسد، تنطلق من سورية خالية من الأسد. وبحسب المصدر، "فإن المعادلة اليوم لم تعد مرتبطة بالأسد، وجوده أو غيابه، فالأسد انتهى منذ بدء الثورة السورية، ويجب على السوريين أن يفكروا بكيفية استجماع قواهم على المدى البعيد لتكون محاربة النظام مرتبطة بأسس ثابتة. لقد أثبتت التجارب على مدى ثلاثة أعوام، للأسف، ألا إمكانية لاختراق الأسد من دون استراتيجية متكاملة للمعارضة السورية وهذا ما يجب القيام به الآن".
وقد أوضح الخطيب عبر صفحته على "فيس بوك" أنه "بناء على دعوة من وزارة الخارجية الروسية، تمت زيارة موسكو بصحبة شخصيات سورية معارضة، وتم اللقاء مع وزير الخارجية سيرغي لافروف وقيادات روسية أخرى. وكانت الاجتماعات إيجابية، وتمحورت حول فتح آفاق للحل السياسي، وضرورة العمل، ومن خلال ثوابت شعبنا في نيل حريته، على إيجاد آليات لانتقال سياسي، حيث لا يمكن للمنظومة القائمة أن تجمع السوريين وتبني بلدهم، وتم تأكيد أولوية إنقاذ سورية شعبا وأرضا، وإيقاف القتل والدماء".
وقال الخطيب: "هناك أمر مهم جدا في السياسة: اِحذر أن تموتَ قضيتك، وإن لم تحركها أنت فلن يحركها أحد.. وتكررت الدعوة لزيارة موسكو وغيرها، ومع مجموعة من الإخوة قررْنا كسر الجمود، ومخطئ من ظن أنها نزوة فردية، فلنا أشهر نتشاور حولها، ونفكر في أبعادها ومآلاتها ومحاذيرها وفوائدها وأضرارها، وقد أخبرْنا بها قبلا بعض الفصائل العسكرية من الثوار، وبعد ذلك كله قررنا أن نذهب، واخترنا وفدا نوعيا فيه أكبر ضابطين في صفوف الثورة، وهما لواءان أحدهما رئيس هيئة الإمداد والتموين، والآخر رئيس الأكاديمية العسكرية الوطنية، ومعنا سفير للمعارضة، ودبلوماسي سابق مختص بالقانون الدولي".
وتحدّث الخطيب في رسالته عن المخاوف من تقسيم سورية، ونفى مسؤولية أو رغبة بلدان كالسعودية أو تركيا أو الأردن في هكذا تقسيم، متّهما بعض رجال الأعمال باتجاه كهذا. وقد كثرت الاتهامات للخطيب بالتقائه ممثلين للنظام ضمن اجتماعاته في موسكو، فسارع للرد "لم يحصل أي لقاءات مع أي طرف من النظام، لكن في حال أن إنقاذ سورية يتطلب ذلك، فسنلتقي مع الجميع بما فيهم من يمثل النظام".