رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


غرائب متانة الاقتصاد السعودي

[email protected]

كلما سمعت عن متانة الاقتصاد السعودي أتذكر ذلك الرجل المتين (البدين) وهو يبتسم مذهولا عندما أخبره طبيبه أنه يعاني من فقر الدم (الأنيميا)، فكيف أن ذلك الوزن لم يقدم لجسمه الغذاء الذي يحتاج إليه، أتذكر متانة الاقتصاد السعودي بينما تنخفض قيمة الريال في مقابل العملات الأخرى نظرا لانخفاض الدولار, أتذكرها والسوق المالية - وهي مرآة الاقتصاد - تعكس وضعا متأزما وترسم منحنيات مثل تلك التي صورت أزمة السوق المالية اليابانية وأزمة الاقتصاد الياباني إبان تسعينيات القرن الماضي، أتذكر الرجل البدين وأنا أقرأ خبر متانة الاقتصاد السعودي، وهو كذلك فعلا، وأندهش أيضا من خبر نشرته "الشرق الأوسط" في عددها 10414 أشارت فيه إلى دراسة أعدت للغرفة التجارية الصناعية في الرياض، تؤكد انخفاض السعودة في القطاع الصناعي بنسبة 12 في المائة وزيادة نسبة الوافدين 88 في المائة، وأن هناك ضعفا في مشاركة المرأة لا تتعدى 5 في المائة. أقرأ كل هذا وأسمع خبر متانة الاقتصاد السعودي فأبتسم كابتسامة الرجل البدين وهو تملى عليه نتائج التحليلات الطبية.
الازدهار الاقتصادي ـ كما أعلمه ـ لا بد أن يظهر في سوق العمل كانخفاض في معدلات البطالة، وعلى العملة لزيادة الطلب عليها لشراء ما تنتجه المصانع، وعلى السوق المالية لتدفق الثروة عليها، لكن يبدو أننا في حاجة إلى علاقات اقتصادية جديدة تفسر ما يحدث لنا، فمن خلال دراسة الغرفة التجارية فإن الاقتصاد السعودي يحقق ارتفاعا في نسب البطالة على رغم الازدهار وليس العكس، فلماذا تظهر الصورة هكذا؟ لماذا يستجيب سوق العمل بطريقة عكسية للازدهار الاقتصادي؟
العمل عنصر من عناصر الإنتاج ومع ذلك فإن المعلومات عن هذا العنصر المهم واتجاهاته شحيحة جدا على الرغم من تأثيراتها الاقتصادية الكبيرة حتى في الناحية الاجتماعية والأمنية، فالتقارير عن هذا العنصر تمدنا بمعلومات نحن في أشد الحاجة إليها، وخاصة في مرحلة المدن الاقتصادية لتحقيق الرفاه الاقتصادي والقضاء على مشكلة البطالة. لذلك فنحن في حاجة إلى مركز أو مصدر مستقل يعطينا تقارير دورية شهرية أو ربع سنوية عن التغيرات في اتجاهات سوق العمل في المملكة، وأقصد مستقلا بمعنى أنه يمثل جهة غير هادفة للربح يعد لها نظاما يمكنها من تحقيق أهدافها ويجنبها التأثير في مصداقية تقاريرها.
وبالعودة إلى دراسة الغرفة التجارية فقد أشارت إلى أن هناك منافسة غير متكافئة بين العمالة السعودية والوافدة وأن أصحاب المصانع يفضلون العامل الأجنبي على المواطن، بسبب قلة الراتب وبحجة الخبرة العلمية، وعلى الرغم من عدم وضوح الصورة عندي عن هذه الدراسة وخاصة عن سنة الأساس التي تمت المقارنة معها وعن الفترة التي تغطيها الدراسة، إلا أنها تثير موضوعا مهما جدا وهو المنافسة التي يواجهها العامل السعودي مقابل العامل الأجنبي، وأعتقد أنها المرة الأولى التي يناقش فيها موضوع العمل على شكل منافسة في الأجر وإن كان هناك ادعاء بأن عامل المنافسة هو الخبرة لكن الممارسة الفعلية تشير إلى أن العامل الأجنبي يخضع للتدريب قبل المشاركة في العمل، ما يدل على أن موضوع الخبرة محل شك, لكن مرة أخرى نحتاج إلى دراسات أكثر تفصيلا في هذا الجانب.
يستنتج من الدراسة أيضا أننا لن نستطيع مجابهة عنصر المنافسة في سوق العمل بمجرد قرارات مهما بلغت قوتها القانونية، بل من خلال الوصول إلى مستويات منافسة عادلة، ولكن كيف نحصل على منافسة عادلة؟ نحن نريد فقط أن نضع العامل السعودي في وسط اقتصادي تنافسي حقيقي وعادل، ثم نقف عن قصة السعودة هذه، فالبقاء لمن يخدم هذا الوطن وليس للعالة عليه، لكن أن نضع أبناءنا أمام منافسة غير عادلة عند مستويات أجور أقل من خط الفقر بمراحل عدة ومستويات معيشية متدنية جدا مع تقشف كبير في الطعام والمواصلات وغيرها من ضروريات الحياة ثم نقول خذوه فغلوه، فلن نحصل مع كل ازدهار اقتصادي وتدفق للثروات إلا على انخفاض في نسب السعودة وارتفاع في نسب الوافدين، وكأننا نعالج بازدهارنا مشكلات البطالة عند الآخرين.
إن من يركز النظر سيجد بلا شك ازدهارا اقتصاديا آثاره في كل مكان فشركات المقاولات تحرث هذه الأرض الطيبة فاتحة طرقا جديدة ومنشئة جسورا عظيمة وسكة حديد وشركات جديدة تطرح في سوق الأسهم، ومع ذلك فإن الكثير من أبنائنا الخريجين وخاصة من كليات التقنية المنتشرة في طول المملكة ـ حفظها الله ـ وفي عرضها لم يجدوا عملا، وكأن هذه المشاريع ظهرت إلى الوجود بموظفيها، تتحول الشركات إلى مساهمة وتصرح عن توسعات وعن تطوير وتطورات ومع ذلك فإن نسب السعودة تنخفض فما فائدة سوق الأسهم وتمويلنا لهذه الشركات، عمق سوق الأسهم ليس له أهمية إذا لم تقدم هذه الشركات عمقا حقيقيا للاقتصاد السعودي بكاملة.
القضية أن لدينا ازدهارا ومتانة اقتصادية حقيقية وواضحة المعالم، لكنها بحاجة إلى أوردة وشرايين من دم الاقتصاد ولحمه لتنقل نتائج هذه المتانة وهذا الازدهار إلى جميع أجزاء الجسم الاقتصادي. الشركات الوطنية وسيلة لنقل الثروة وتوزيعها ولكن عندما تركز هذه الشركات على تحقيق أعلى مستوى من الربح بتقليص تكلفة العمل ـ باستبعاد العمالة الوطنية طبعا ـ فكل ما يتحقق من وراء هذه الشركات سيشبه تخثر الدم وستتسبب في ألم وصداع وارتفاع الضغط، وستتركز الثروة مرة أخرى في يد عدد قليل من رجال الأعمال الذين يمتلكون الشركات وسنعود بعد انتهاء موجة الازدهار لنشاهد طاش ما طاش وهو يقول "وطارت الطيور بأرزاقها" وسيظل حالنا بعد الازدهار كحالنا قبله فليس من بيننا طيور.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي