التراجع الأخير في أسعار البترول وتأثيره
يرى كثير من المحليين في أسواق السلع والأسهم العالمية أن التراجع الأخير في أسعار البترول يختلف عن التراجعات التصحيحية في الأسعار التي حدثت خلال السنين الأربع الأخيرة. وأن تلك الأسباب مجتمعة تجعل من الصعب أن نرى على المدى القصير ارتدادات كبيرة في مستوى الأسعار.
أهم تلك الأسباب هو إنتاج البترول والغاز في الولايات المتحدة الذي وصل في الفترة الأخيرة إلى مستويات قياسية. ومن المتوقع على المدى القصير والمتوسط أن تستمر وتيرة تلك الارتفاعات في إنتاج الولايات المتحدة من البترول والغاز. عامل آخر في زيادة كميات العرض الفعلية والمتوقعة مستقبلا أن عددا من الدول المنتجة والمصدرة للبترول بدأت في زيادة إنتاجها من البترول والتوسع في طاقتها الإنتاجية.
وتجتمع تلك الأسباب مع تراجع مستويات النمو الاقتصادي العالمي إلى درجة لم تكن متوقعة منذ فترة قريبة. فلقد تراجعت مستويات النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل كبير، حتى إن أسواق الأسهم الرئيسة في أوروبا فقدت تقريبا جميع مكاسبها خلال هذه السنة. والصين التي كانت المستويات الكبيرة في نموها الاقتصادي عاملًا أساسيًا في الارتفاعات الكبيرة والسريعة لأسعار البترول، بدأت في نظر الكثير من المحللين في التراجع إلى مستويات من النمو لا تزال تعتبر جيدة إلا أنها أقل مما كانت عليه في السابق. ويبقى الاقتصاد الأمريكي هو الاستثناء في كونه الماكينة التي تعمل بأفضل مما كان متوقعا، كما توضحه مؤشرات النمو الاقتصادي في أمريكا والتقرير الأخير لصندوق النقد الدولي الذي خفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي باستثناء الولايات المتحدة. وفي حادثة تعتبر الأولى أعلن البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي يوم الأربعاء الماضي أنه في الوقت الحالي يأخذ في الاعتبار ويراقب باهتمام التراجع في مستويات النمو الاقتصادي العالمي وليس فقط كما هو العادة النمو والاستقرار المحلي في الاقتصاد الأمريكي. ويبدو أن المقصود هو التخوف من تراجع كبير في النمو العالمي لاسيما مع التراجع الأخير في أسعار السلع Commodities بما في ذلك الذهب والبترول.
والخلاصة أن من غير المتوقع على المدى القصير أن نرى ارتدادات كبيرة في أسعار البترول ترجع بتلك الأسعار إلى ما كانت عليه في السابق. وبالنسبة للمملكة، فإن انخفاض أسعار البترول قد صاحبه في الفترة الأخيرة ارتفاع في سعر الدولار، ما يجعل التأثير في احتياطات الدولة من العملة الأجنبية مضاعفًا،
حيث إن ارتفاع الدولار يقلل من قيمة الأصول الأجنبية المقومة بالعملات الأخرى كاليورو والاسترليني والين الياباني. والمحصلة تأثير أكبر على الاحتياطيات من التأثير المباشر لانخفاض دخل البترول.
وفي ظل تلك التطورات، فإن الأمر يتطلب النظر ليس فقط فيما يمكن أن تكون عليه أسعار البترول، بل أهم من ذلك فيما يعني هذا بالنسبة للمملكة بحجمها الكبير ومسؤولياتها والتزاماتها المالية الضخمة. فأخذا بالاعتبار ما يمكن أن يكون عليه دخل المملكة من البترول مستقبلا، فإن الأهمية قصوى والفرصة تاريخية للتحرك سريعا نحو إنشاء صندوق سيادي مستقل للمحافظة على الفوائض المالية الحالية والبناء عليها لتكون مصدرا آخر للدخل موازيًا ومكملًا لدخل البترول. والتأخر في إنشاء هذا الصندوق، يمكن أن ينتج عنه ضياع هذه الفرصة التاريخية في سنوات قليلة من التراجع في أسعار البترول والعجز في الميزانية. وعندئذ سوف يكون من الصعب بناء تلك الاحتياطيات لتكون بالحجم التي هي عليه الآن، ما قد يعرض المملكة لمخاطر ومصاعب اقتصادية كبيرة.