رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العراق بين احتلالين في ظل المباحثات الأمريكية ـ الإيرانية

[email protected]

لعلها المرة الأولى في التاريخ أن تواجه دولة احتلالا من قبل دولتين في خصومة إن لم نقل عداوة. فاحتلال العراق اليوم من نوعين، فهو أمريكي بريطاني عسكري جلي واضح يحاول أن يسيطر سياسيا واجتماعيا دون نجاحات مؤثرة بعد أكثر من أربع سنوات من السيطرة العسكرية وتدمير شبه كامل لأجهزة الدولة، ونفوذ واضح قريب من السيطرة السياسية من قبل إيران. فعراق اليوم يخضع لقانون النسب المعروف 80 في المائة و20 في المائة فهو تحت الاحتلال الأمريكي العسكري 80 في المائة و20 في المائة تحت النفوذ السياسي وهو كذلك 80 في المائة تحت النفوذ السياسي الإيراني و20 في المائة تحت النفوذ العسكري الإيراني من خلال قوة الميليشيات التي تتأرجح بين البرلمان وبين العسكرة الرسمية وغير الرسمية. إضافة إلى ذلك هناك صراع مذهبي وصراع عرقي وفئوي وصراع بين معارضة داخلية للنظام السابق ومعارضة أتت على دبابة المحتل، وفوق ذلك كله هناك مقاومة وطنية تريد إنقاذ بلادها من براثن جميع أنواع الاحتلال والوصاية.
لعل المفاجأة الكبرى هي ضراوة المقاومة في ظل احتلالين، المحتل الأمريكي والانتهازي الإيراني يراقبان بعضهما بعضا، فالصراع بينهما مرات ظاهر والمرات الأخرى كامن، وللعراق بوضعه السابق وبوضعه الحالي مكان مهم في استراتيجياتهما في المنطقة.
المحادثات الأمريكية الإيرانية هذا الأسبوع في بغداد تعبير واضح وجلي للاحتلالين، فهو من جهة امتداد لمحاولة معرفة وقياس مدى سلطة أي منهما على العراق مستقبلا وإيجاد المساحة والفضاء لتكتيك جديد من قبل الولايات المتحدة واستراتيجية جديدة من قبل إيران. قبول أمريكا الدخول مع إيران في مباحثات حول العراق لهو اعتراف علني بنفوذ إيران وهذا نصر استراتيجي لإيران وتكتيكيا لأمريكا في محاولة لشراء بعض السلام والحد من المقاومة لكي تستثمر أمريكا نفوذها العسكري من ناحية والتفرغ للمعضلة الأهم في التعامل مع طموح إيران الذري. لذلك فإن إيران ترغب في مقاومة عراقية موالية لها لكي تكتمل براثن السلطة الإيرانية على العراق لكي تكون جزءا من صفقة كبرى مع أمريكا في مرحلة لاحقة يظهر ذلك التناقض من خلال دعم إيران للميليشيات والحكومة، بينما أمريكا في وضع أقل استقرارا فهي خصومة مباشرة مع القوميين العرب وبقايا النظام السابق والسنة على اختلاف ألوانهم السياسية وتلتقي مع إيران في دعم الحكومة وتختلف معها في موقفها من هذه الميليشيات. هناك فراغ في المقاومة العراقية وخاصة من قبل الشيعة حيث إن جزءا معتبرا منهم أيديولوجيا أو حتى قوميا لا يزال مغيبا عن الساحة السياسية خاصة المقاومة. فهذه فئة معتبرة لم تجد مكانها الطبيعي حتى الآن، فهي في حالة عدم توازن لكي تتأكد من سلطة الشيعة الكاملة على الحكم في العراق وهي كذلك في حالة ضغط وحتى تهديد من قبل الموالين لإيران من الشيعة (وهم الذين في السلطة)، لذلك تجد ظاهرة مقتدى الصدر تحاول أن تغازل هذا التيار، وحيث إنه حبيس نفوذ إيران فهو عاجز عن كسب هذا التيار الوطني. لعل أبرز من يمثل هذا التيار آية الله البغدادي وحزب الفضيلة، لذلك هناك بعض المحاولات الأمريكية في إيجاد بعض التوازن السياسي في العراق مرات من خلال إحداث تغيير في تركيبة الحكومة من داخل البرلمان العراقي ومرات من خلال بعض الضغوط من الحكومة العراقية الموالية لإيران لتبديل مواقفها تجاه الفئات العراقية الأخرى.
استقراء للمستقبل لن يحدث شيء من وجهة النظر الأمريكية حتى تقرير القائد العسكري "بتريوس" في أيلول (سبتمبر) من هذا العام والذي قد يكون يحمل بين طياته بعضا مما يريد مناصرو الحرب وخصومها في أمريكا (ولو أنه وعد بدرجة عالية من الشفافية)، خاصة أن الميزانية العسكرية التي أقرت تأخذ الحرب إلى العام القادم. لذلك فالعوامل غير المحسوبة هي توسع واستمرار المقاومة العراقية خاصة في ظل الأداء الهزيل للحكومة العراقية في النواحي المعيشية والأمنية والخدمية لعامة الناس، أو تطور النزاع الأمريكي الإيراني من خلال خطأ أو خطأ محسوب أو غير محسوب في ظل وجود قوات بحرية أمريكية كثيفة في الخليج. فأمريكا تمارس ضغوطا على إيران فهي من ناحية تقبل بالنقاش حول العراق ومن ناحية أخرى تقر دعما للمقاومة الإيرانية ضد النظام الحاكم. وفي ذلك فرصة للخطأ ولسوء الفهم.
إن دخول أمريكا في نزاع عسكري مباشر مع إيران قد يحدث فرصة استراتيجية للوطنيين العراقيين على كافة أطيافهم السياسية من خلال استغلال فرصة فتح فجوة بين الاحتلالين لاستعمال محتل ضد آخر، ولعل الأفضل فيها استعمال المحتل الأمريكي تكتيكيا لإبعاد المحتل الأقرب (إيران)، ثم التفرغ للمحتل الأبعد، تحمل السياسة المتناقضات والمفاجآت، فمن يعرف؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي