هل من علاقة بين الأخلاق والحرب؟

هل من علاقة بين الأخلاق والحرب؟
هل من علاقة بين الأخلاق والحرب؟

شغلت العلاقة بين الأخلاق والحروب أذهان كثيرين منذ آلاف السنين، ويرى كاتب بريطاني شغل مناصب رفيعة في بلاده أنه حتى في الصراعات المسلحة لا بد أن تلعب الأخلاق دورا كي تتحقق العدالة ويتم تقليل الأضرار الناجمة عنها، منتقدا الحملة الإسرائيلية على غزة في أواخر 2008 وحرب العراق 2003.

وفي كتابه "الأخلاقيات والحرب" يؤكد ديفيد فيشر أن الحرب أداة مشروعة، لكن الإخفاق في الالتزام بأعرافها وقواعدها الأخلاقية العادلة يخلف على الدوام بحارا من الأسى والألم.
وعارض الكاتب المذاهب الفكرية الرافضة لوجود دور للأخلاق في الحروب والعلاقات الدولية، مؤكدا أن الأخلاق تسهم في ازدهار الأمم ومنع المعاناة.

وقال فيشر "يزعم الواقعيون أنه لا صلة بين الأخلاق والحرب وتنبع هذه النظرة من اعتقاد راسخ مفاده أن هذه هي حالة العالم وأن السعي وراء القوة وليس الأخلاقيات هو ما يحرك رجال الدولة في تصرفاتهم في المجال الدولي"، لكنه أكد أن الأخلاق ليست شيئا غامضا أو غير عقلاني بل إنها تقدم الإرشادات الضرورية حول كيفية ازدهارنا كبشر وكيف يمكننا نشر الرفاهية ومنع المعاناة.

وصدر الكتاب المؤلف في 427 صفحة متوسطة القطع ضمن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت وترجمه الأستاذ الدكتور عماد عواد.

وبجانب عمله الأكاديمي في كينج كوليدج في لندن شغل فيشر مناصب رفيعة في وزارتي الدفاع والخارجية البريطانيتين وعمل مستشارا في رئاسة الوزراء ومستشار دفاع للمملكة المتحدة في حلف شمال الأطلسي. وحصل الكتاب على جائزة دراسات الحروب في عام 2013 قبل عام تقريبا من رحيل مؤلفه في شباط (فبراير) 2014.

وينقسم الكتاب إلى جزأين يعرض الأول آراء عديد من الفلاسفة والمفكرين عن أخلاق الحروب بداية من أرسطو وأفلاطون مرورا بفلاسفة القرون الوسطى وحتى منظري العصر الحديث، كما يعرض آراء فكرية حديثة عن الحرب وأخلاقياتها، بينما تطرق في القسم الثاني إلى قياس قواعد الحروب على عدد من الحروب الحديثة أهمها حرب الخليج والصراع في غزة في أواخر 2008 ومطلع 2009. ويشير المترجم في معرض تقديمه لهذا الكتاب إلى أنه بالإمكان إدراج هذا الكتاب في طائفة الكتب التي تجمع بين كل من الماضي والحاضر، وبين الخبرة العملية والمبادئ النظرية وأيضًا بين الفلسفية المجردة والواقع التطبيقي. وختم بقوله "مما لا شك فيه أن من شأن هذه الدراسة أن تمثل إضافة مهمة إلى كل من المستويات الأخلاقي، والأكاديمي والسياسي".
#2#
ونبه فيشر إلى أن الالتزام بقواعد الحرب العادلة يشترط توافر عناصر عدة أهمها وجود سلطة مخولة باتخاذ قرار الحرب وخوضها دفاعا عن قضية عادلة وتوافر النية الحسنة واللجوء إليها كملاذ أخير، وأيضا ألا يكون الضرر الناجم عنها غير متناسب مع المصلحة المستهدف تحقيقها.
ولفت أيضا إلى أهمية حماية المدنيين خلال الصراعات المسلحة في ضوء ما وصفه "بحصانة غير المقاتلين" وعارض في هذا الصدد الحملة الإسرائيلية على قطاع غزة في كانون الأول (ديسمبر) 2008 وكانون الثاني (يناير) 2009 باعتبارها انتهاكا واضحا لهذا المبدأ.

وقال فيشر "مثل الهجوم على قطاع غزة خرقا صريحا لمبدأ حصانة غير المقاتلين، وعلى خلاف ذلك ادعت الحكومة الإسرائيلية أن قواتها هاجمت أهدافا عسكرية فقط وبذلت جهودا كبيرة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.. الواقع يشهد بوجود عدد كبير من القتلى في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وتضمن ذلك مقتل نساء وأطفال في مشهد مروع تابعه العالم بأسره".

كما أفرد فيشر فصلا كاملا من كتابه لحربي الخليج الأولى والثانية، حاول فيه قياس مبادئ الحرب العادلة عليهما، وهل كانتا لرد الظلم وطرد الغزاة أم ارتبطتا برغبات غير معلنة مثل السيطرة على النفط. وأيد المؤلف حرب الخليج الأولى واعتبرها عادلة، مؤكدا أنها سعت لرد الغزو العراقي عن الكويت على عكس الغزو الأمريكي للعراق في 2003 الذي وصفه بالجائر نتيجة الآثار المترتبة عليه، فضلا عن اتضاح خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل.

وقال "انطبقت على حرب الخليج الأولى معايير الحرب العادلة ومن ثم يمكن الحكم عليها بأنها كانت بالفعل حربا عادلة، أما بالنسبة إلى حرب الخليج الثانية فقد تم خوضها شأنها شأن أغلب الحروب انطلاقا من خليط من الدوافع". وتابع معلقا على الغزو الأمريكي للعراق في 2003 "يعلم الجميع الآن من واقع التقرير النهائي لمجموعة البحث في العراق بتاريخ سبتمبر 2004 أنه لم يكن في حوزة العراق أسلحة دمار شامل ولكن (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين كان يمتلكها وبكثرة قبيل وأثناء حرب الخليج الأولى".

وناقش فيشر أيضا ما أطلق عليها "الظروف الاستثنائية" التي برزت على الساحة الدولية في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين خاصة في الولايات المتحدة إثر هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 ومدى مشروعية اللجوء لاتخاذ إجراءات استثنائية مثل توجيه ضربات استباقية لإحباط أي تهديد محتمل.

وتساءل الكاتب "هل من الصواب إسقاط طائرة مخطوفة على متنها 30 رهينة بريئة إذا كانت على وشك الاصطدام ببرجي التجارة العالميين في نيويورك وما يترتب عليه من مقتل آلاف"؟
وبين المعايير الأخلاقية الثابتة والظروف المتغيرة للصراعات يرى الكاتب أن الباب مفتوح أمام "تغير" قواعد الحرب ومقتضياتها، مؤكدا أن تعاليم الحرب العادلة "لا تستند إلى مبدأ ثابت بل هي في الأحرى تقاليد تطورت على مدار العقود ولا تزال في استجابة للظروف والطبيعة المتغيرة للحرب".

ويخلص فيشر في خاتمة هذا الكتاب إل القول "إنه مع تلاشي فترة الحقائق الاستراتيجية الثابتة والوضوح الأخلاقي التي عرفتها مرحلة الحرب الباردة، أصبحنا في مرحلة مملوءة بالتحدي ويسودها الارتباك والتغيير، كما أن شن الحروب أضحى خيارا أكثر منه ضرورة للدفاع عن الأرض". ومن ثم، يضيف فيشر، "أصبحت هناك حاجة أكبر إلى الوضوح الأخلاقي فيما يتصل بكيفية وتوقيت ومكان بدء الحرب، فضلا عن الأداء خلالها. وفي هذا الخصوص يقدم تقليد الحرب العادلة ليس فقط إرشادا قويا وإنما أيضا لا يمكن الاستغناء عنه لمواجهة التحديات الأمنية في القرن الحادي والعشرين".

الأكثر قراءة