الانقلاب الدبلوماسي الأمريكي والنصيحة السعودية
المملكة العربية السعودية تؤكد بمشاركتها العسكرية، الواضحة والمعلنة، أنها كما كانت دائما ضد التشدد والتطرف بكل صوره وأشكاله. فلا دين ولا طائفة للإرهاب، وفي المقابل لا يجب أن يُستثنى أحد من الحرب الشاملة عليه، كما أكد على ذلك بيان جدة الأخير. فهي من نصحت الإدارة الأمريكية عام 2003، عندما قررت إسقاط النظام السياسي في العراق، بعدم الإخلال بالتوازن السياسي والاجتماعي، وهو ما تجاهلته الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت، لتتفاقم أخطاؤه اليوم.
هذه النصيحة التي تداركتها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، بالضغط للتخلص من حكومة المالكي في العراق، وبمزيد من التحرك لمواجهة الإرهاب، فيما وُصف "انقلابا دبلوماسيا" للإدراة الأمريكية. وهو ما يجب، بحسب كثير من المحللين السياسيين، أن تتداركه دول التحالف، بكل السبل الممكنة عسكريا وسياسيا، للتخلص من نظام الأسد، وحلفائه من الميليشيات المتطرفة، هنا وهناك، الذي يتغذى "داعش" والإرهاب عموما على ما أحدثوه من فراغات أمنية وطائفية يعشعش فيها الإرهاب ويتوالد.
وكانت صحيفة "يو إس إيه توداي" الأمريكية قد وصفت، في وقت سابق، تحالف أمريكا والدول العربية والغربية المشاركة في توجيه ضربات جوية ضد تنظيم داعش فى سورية، أنه بمثابة "انقلاب دبلوماسي" للإدارة الأمريكية. ونقلت الصحيفة عن جيمس جيفري السفير الأمريكي السابق في العراق قوله، "إن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذا التحالف منذ حرب الخليج". ولا تزال الفرصة مواتية لمزيد من الانضمام والتوسع الدوليين. فإذا كان هذا التحالف بمثابة انقلاب دبلوماسي بالنسبة للإدارة الأمريكية فهو نتيجة جهد سياسي ودبلوماسي سعودي طويل، خصوصا إذا ما تذكرنا أن السعودية هي أول من دعا إلى محاربة الإرهاب، وأول من عقد مؤتمراً دولياً على أرضها مهد لفكرة المركز الدولي لمكافحة الإرهاب. وهو المركز الذي تبرعت السعودية بمائة مليون دولار لدعمه، وأخذ الملك عبد الله حينها على المجتمع الدولي تخاذله وعدم اهتمامه بخطورة هذا الأمر.
بالأمس القريب كان الحديث عن استراتيجية لمواجهة داعش، في إطار مكافحة شاملة للإرهاب. واليوم مع انطلاق الضربات الجوية للتحالف فالحديث أصبح عن "تنفيذ" هذه الاستراتيجية. التحالف الدولي يضم، إلى الآن، خمس دول عربية هي السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن. ونفذ التحالف مجتمعا ضرباته على ملاذات التنظيم في سورية، في حين نفذت الولايات المتحدة وفرنسا ضرباتهما في العراق. وتشارك دول أخرى في الائتلاف منها هولندا وبلجيكا التي وضعت طائرات قتالية إف-16 في تصرفه، في حين أعلنت ألمانيا إرسال أسلحة إلى الأكراد العراقيين، ونشرت أستراليا 600 جندي في الإمارات. كما وافق البرلمان البريطاني، بأغلبية ساحقة، على مشاركة قواته الجوية في هذا التحالف.
تأتي هذه الضربات في إطار التنفيذ العسكري للاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب المعتمدة في "بيان جدة" الذي من ضمن ما جاء فيه، منع تدفق المقاتلين الأجانب من دول الجوار، ووقف تدفق الأموال لتنظيم "الدولة"، والجماعات المتطرفة الأخرى، ورفض أيديولوجيات الكراهية لدى تلك الجماعات الإرهابية، ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب الفظائع، ووضع نهاية لتهربهم من القانون، والمساهمة في جهود الإغاثة الإنسانية، ودعم الدول التي تواجه التهديد الأكبر من تنظيم "الدولة". مع تأكيد البيان على أنه، حين يكون الأمر ملائماً، المشاركة في أوجه العمل العسكري المنسق ضد تنظيم "الدولة".
ونقلت وكالة الأنباء السعودية عن مصدر رسمي تأكيدا بخصوص مشاركة المملكة العربية السعودية في هذه العمليات العسكرية التي استهدفت تنظيم الدولة، وأضاف المصدر أن هذه المشاركة جاءت "لدعم المعارضة السورية المعتدلة ضمن تحالف دولي للقضاء على الإرهاب"، و"لدعم الشعب السوري الشقيق لاستعادة الأمن والوحدة والتطور لهذا البلد المنكوب". وعرضت الوكالة عدة صور للطيارين، قائلة إنّهم عادوا إلى قواعدهم سالمين بعد أن "أدوا واجبهم في توجيه هجمات ناجحة وفعالة ضد تنظيم داعش المتطرف في سورية". وتعليقا على هذه الهجمات قال الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع "إن أبنائي الطيارين قاموا بواجبهم تجاه دينهم ووطنهم ومليكهم"، مؤكداً اعتزازه باحترافيتهم وبسالتهم ووقوفهم ضد من يشوه نقاء الإسلام وسماحته.
فيما تابع كثير من الصحف العالمية، الصور التي عرضت للطيارين السعوديين، المشاركين في ضربات التحالف الجوية ضد تنظيم الدولة، بكثير من الترحاب الإعلامي والقبول الشعبي، اللذين بديا واضحين في حجم التداول والتعليقات المرحبة بهذه الصور على المواقع الإلكترونية، الاجتماعية منها والإخبارية. وهنا يمكن القول إن هذه الصور استطاعت رغم عفويتها تقديم رسالة إعلامية ثقافية غاية في الأهمية. إذ أبرزت شريحة مغيبة من الشباب المسلم، الكاره للتطرف، والمحب لخدمة وطنه ودينه، في الوقت الذي طالما كانت صور المقنعين والإرهابيين، تظلمها، حين يعتقد العالم، وبتواطؤ من بعض الجهات الإعلامية، أن هذه الصور، حصريا، هي التي تعبر عن حقيقة الشباب السعودي المسلم.
الحرب على "داعش" خصوصا وعلى الإرهاب عموما هي حرب فكرية وإعلامية بالدرجة الأولى. وهذا ما أدركه التنظيم لاستقطاب وتجنيد كثير من الشباب. لذا فإن تجفيف منابع هذا الفكر تعني مجابهته بكل الطرق الممكنة. سياسيا وعسكريا وإعلاميا. ومثلما ركز التحالف ضرباته بداية للقضاء على مصافي النفط التي تمول التنظيم ماليا. لا بد من التركيز إعلاميا على مجابهة منابع التعاطف مع هذا الفكر، التي تغذي وجوده وتفشيه. بمعنى أن الاستراتيجية العسكرية لا بد أن تجاريها وتحاكيها استراتيجية إعلامية ثقافية تغتنم فرصة هذا التحالف الدولي الواسع، لبث الرسائل الإيجابية وللتعاون وتبادل كثير من المعلومات الأمنية والثقافية، التي بإمكانها اإحباط أي عمل إرهابي والقضاء عليه في مهده.