أمريكا تستعد لمغادرة أفغانستان بينما تعود «القاعدة» من باب الهند
في ظل تنافس محموم على زعامة "الجهاد العالمي المسلح" تعهد أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة في تسجيل مصور نشر على الإنترنت برفع راية الجهاد في شبه القارة الهندية. ودعا الظواهري في الشريط الأمة إلى "التوحيد" وقيام فرع جديد للقاعدة هو "جماعة قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية" سعيا لرفع راية الجهاد. وأكد الظواهري أن "هذا الكيان لم ينشأ اليوم ولكنه ثمرة جهد أكثر من سنتين لتجميع المجاهدين هناك في كيان واحد". وهو ما وصف بصراع القاعدة "الدامي" لاستعادة زعامتها بعد تمدد نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش سابقا). وقدرتها على استقطاب كثير من "الجهاديين" من جميع أنحاء العالم. مقارنة بتراجع القاعدة وقدرتها على جذب التمويل والأفراد.
###معركة نفوذ
وبحسب مراقبين فإن توقيت ومحتوى التسجيل يشير إلى وجود تنافس بين القاعدة وخصمها الأكثر نشاطا تنظيم الدولة الإسلامية، في هذه المنطقة تحديدا، حيث تشير أدلة غير موثقة إلى أن تنظيم الدولة يحشد الدعم في جنوب آسيا. وكتب عمر حامد كبير المحللين في الشؤون الآسيوية في مؤسسة الأبحاث الأمنية (آي.إتش.إس. كانتري ريسك) في تقرير أن "القاعدة شهدت تآكل سلطتها من خلال حقيقة أنها لم تعد قادرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق في أي مكان في العالم وظهور فصائل منافسة". وأضاف حامد أن إنشاء القاعدة فرعا محليا يسعى للاستفادة من انسحاب القوات التي تقودها الولايات المتحدة من أفغانستان الذي قد يؤدي إلى تدفق متشددين أقوياء على الهند.
إلى ذلك، تواترت أخبار تؤكد تزايد أعداد المسلحين المتطرفين الذين أعلنوا مبايعتهم لتنظيم الدولة الإسلامية. كما أشارت إلى التواجد اللافت للتنظيم أخيرا في باكستان وأفغانستان، المعقل التاريخي لما يعرف بالجهاد العالمي. ويقول رحيم الله يوسف ضائي الإخصائي في التيار "الجهادي" المحلي لوكالة فرانس برس "ليست المرة الأولى التي يحاول فيها تنظيم القاعدة الانتشار في الهند. إنها محاولة جديدة تعود إلى تراجع الدعم للقاعدة في العراق وسورية ومناطق أخرى، بالتالي يحاولون إنشاء جبهة جديدة".
###"مجرد دعاية"
وفي خطوة تشير إلى شيء من التوافق "التكتيكي"، فقد رحب إحسان الله إحسان المتحدث باسم الفصيل الجديد المنشق أساسا عن حركة طالبان الباكستانية والذي يحمل اسم "جماعة الأحرار" بإعلان الظواهري. وقال إحسان في رسالة نشرها على تويتر وفيسبوك "نحن نرحب بالإعلان الجديد عن إنشاء فرع للقاعدة في شبه القارة الهندية. نعتقد أن هذا الفرع سيعمل جاهدا من أجل تحصيل حقوق المسلمين في شبه القارة". يذكر أن حركة طالبان الباكستانية مقسومة فعليا إلى فصيلين أحدهما ترأسه مولانا فضل الله الذي انتخب في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إثر مقتل زعيم الحركة حكيم الله محسود بضربة أمريكية بدون طيار.
#2#
يبقى أن معركة النفوذ هذه تميل كفتها لصالح داعش، إذ أكد المحلل الأمني الباكستاني أمير رنا أنه حتى في الهند فإن رسالة تنظيم الدولة الإسلامية تطغى على رسالة القاعدة بين القلة النادرة من المسلمين الآخذين في التشدد. بينما وصف أجيت كومار سينغ من معهد "إدارة النزاعات" البحثي في نيودلهي هذه المبادرة من قبل القاعدة بـ "أنها مجرد دعاية تدل على اليأس الذي تملكهم بعد أن باتت الدولة الإسلامية تمثل الخطر العالمي الحقيقي، إنها معركة نفوذ بين القاعدة والدولة الإسلامية".
###"قلق" أمريكي
وبعد إندونيسيا وباكستان، تعد الهند ثالث بلد يضم أكبر عدد من المسلمين في العالم مع أكثر من 140 مليونا. لكن الخبراء يؤكدون أنه ليس هناك معلومات عن انضمام شباب هنود إلى صفوف التنظيم. يقول رحيم الله يوسف ضائي الخبير في شؤون التنظيم الجهادي لوكالة فرانس برس "حتى الآن ليس لدينا علم بوجود خلايا للقاعدة أو أعضاء للتنظيم في الهند". فيما صرح مسؤول رفيع في الحكومة الهندية لرويترز أن تحذيرا أمنيا صدر لعدد من الولايات بعد أن أعلن زعيم القاعدة أيمن الظواهري عن تشكيل جناح للتنظيم في الهند وجوارها.
من جهتها، أعربت الولايات المتحدة التي كثيرا ما صرحت بأنها "قضت على القيادة المركزية للقاعدة" في باكستان وأفغانستان، عن "قلقها"، لكنها مع ذلك لا ترى في الإعلان عن ذلك "إشارة إلى إمكانيات جديدة للقاعدة"، بحسب المتحدثة باسم الخارجية ماري هارف.
عاصم عمر
زعيم الفرع الجديد لتنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية الباكستاني عاصم عمر، منظر سابق لا يعرف الكثير عنه باستثناء عظاته على الإنترنت ودعوته إلى "الصحوة الإسلامية". والملا عاصم عمر (قد يكون اسما مستعارا)، يجيد البشتو (لغة شعب البشتون الذي يشكل قاعدة حركة طالبان) والأوردو وهي اللغة الوطنية في باكستان وقريبة من اللغة الهندية. ويظهر عاصم عمر معتمرا عمامة سوداء وبلحية كثة، في أشرطة فيديو للقاعدة وحركة طالبان باكستان التي تضم فصائل إسلامية مسلحة تحارب حكومة إسلام أباد المتهمة بدعم الحرب الإمريكية "على الإرهاب" وبعدم تطبيق الشريعة.
يذكر أنه في العام الماضي تساءل عاصم عمر في شريط فيديو بالأوردو نشرته القاعدة على الإنترنت "لماذا المسلمون في الهند غائبون تماما عن الجهاد؟" داعيا الشباب المسلم الهندي إلى إظهار "شرف" و"حماسة" لكي تقود الأقلية المسلمة مجددا الهند وليس الغالبية الهندوسية. وأضاف "لا تجبروا الكفار على الشهادة (اعتناق الإسلام) هم من يقرر إذا رغبوا في أن يصبحوا مسلمين أو الاستمرار في ديانتهم القديمة. لكن بما أن هذا الكون لله فمن الضروري أن يقام فيه نظام الله". وفي خطاب أشار فيه بإسهاب إلى الحكم المغولي المسلم في الهند من القرن السادس عشر إلى نصف القرن التاسع عشر والخلافة العثمانية، دعا عاصم عمر إلى "التجديد" الإسلامي في الهند في وقت يسيطر فيه متطرفون إسلاميون على مناطق بأكملها في العراق وسورية، على حد تعبيره.
###لماذا جوجارات؟
تضمن إعلان الظواهري الإشارة مرتين إلى جوجارات وهي ولاية رئيس وزراء الهند الجديد نارندرا مودي الهندوسي القومي. وتكن الجماعات الإسلامية كرها لمودي بسبب أعمال شغب دينية حصلت في الولاية عام 2002 حين كان رئيسا لحكومتها. وقتل في أعمال العنف أكثر من ألف شخص معظمهم من المسلمين. ووصف الظواهري تشكيل "القاعدة في شبه القارة الهندية" بأنه بشرى للمسلمين في "بورما وبنجلادش وآسام وجوجارات وأحمد أباد وكشمير" وأن الجناح الجديد سينقذ المسلمين من الظلم والقمع. وأحمد أباد هي المدينة الرئيسية في ولاية جوجارات التي تقع على الحدود مع باكستان. وآسام ولاية في أقصى شمال شرق الهند حيث التوترات الدينية مرتفعة بعد مذابح للمسلمين بيد سكان قبليين في العامين الماضيين.
وقال مسؤول رفيع في الشرطة لوكالة "رويترز" إن جوجارات تتصدر قائمة المنظمات المتشددة ومنها القاعدة منذ أعمال العنف التي وقعت عام 2002. وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه "سيكون التهديد أكبر حاليا لأن نارندرا مودي هو رئيس الوزراء".