لماذا لا يمكن القضاء على «داعش» بتجاهل «الأزمة السورية»؟

لماذا لا يمكن القضاء
على «داعش» بتجاهل «الأزمة السورية»؟

لم يعد هناك من يختلف بخصوص تراجع نفوذ "القاعدة" الأم وتأثيرها على ساحة "الجهاد العالمي" مقارنة بوليدها العاق (داعش). فكيف أصبح لداعش هذا الحضور وهذا الإعجاب من قبل المعتنقين للفكر المتطرف؟ ولماذا تراجعت القاعدة وحليفاتها من "نصرة" و"أحرار الشام" وغيرهم من الميليشيات المنتشرة اليوم؟ وقبل هذا وذاك ما الخيارات المتاحة للقضاء على داعش؟
بحسب ما أعلنه الرئيس أوباما، قبل يومين، فإنه "سيقضي على داعش تماما كما فعل بالقاعدة". أما الخيارات المتاحة للآن تبعا للتصريحات الرسمية، فهي تحالف دولي واستمرار الضربات الجوية إضافة لدعم الأكراد في المناطق العراقية، وضبط حدود تركيا، مع استبعاد فرضية التحرك العسكري على الأرض، وتجاهل واضح للأوضاع المتردية في الأراضي السورية.
المقارنة بين داعش والقاعدة لا يمكن عقدها فقط كنتيجة للتبشير بالقضاء على داعش دون أخذ ما بينهما من مشتركات وفروقات في النشأة والنفوذ. فالقاعدة التي يتباهى أوباما اليوم بالقضاء عليها، كانت أسباب وجودها وزوالها (إذا كانت زالت فعلا) تكمن في العراق، لذلك كان التحالف مع "الصحوات" مجد وله كبير الأثر في انتشالها. أما داعش الثائرة على القاعدة ذاتها. فأسباب وجودها وتمدد نفوذها نابع من "الأزمة السورية" وزوالها لا يمكن أن يكون إلا بوضع حد لأسباب وجودها. ولتأكيد ذلك يمكن استعراض كثير من الفروقات، منها ما هو "تكتيكي" ومنها ما هو "دعائي" بحت. وإن كانت جميعها ترتبط في نهاية الأمر بالضرورات "الدعائية" المهمة للاستقطاب الجهادي، أو بتعبير آخر بـ "رأسمال" هذه الجماعات ووقودها المستمر. فدون أفراد جهاديين وانتحاريين، لن يكون هناك دعم ولن يكون هناك تمويل وبالتالي لن يكون هناك وجود من الأساس.
لذلك، أمر الاستقطاب والقدرة على الجذب بالنسبة لهذه الجماعات مسألة وجودية في المقام الأول، وهو ما تنبهت له القاعدة منذ أن أنشأ أسامة بن لادن إدارة لإعلام القاعدة عام 1988، كجزء من الهيكل التنظيمي، وما تفرع عن هذه الإدارة من مؤسسات إعلامية "تقليدية". وهنا تحديدا بالإمكان البدء في وضع اليد على فروقات مهمة توقف عندها تنظيم القاعدة الأم فيما تجاوزها الابن داعش بكثير من "العصرنة" والمجاراة لواقع إعلامي وافتراضي جديد. فبينما ما يزال الظواهري يرسل تسجيلاته الصوتية والمصورة، بالطريقة ذاتها، المباشرة والتقريرية، التي اعتادها تنظيم القاعدة منذ تسجيلات بن لادن الشهيرة على قناة الجزيرة. فإن تنظيم داعش لا يذهب لمثل هذه الرسائل المباشرة من زعمائه بقدر ما يميل لرسائل أخرى غير مباشرة، وبصيغ عصرية مختلفة. منها ما يكون من باب الإنشاد والتبشير بالعزة والتمكين. ومنها أيضا ما يكون من باب الترهيب والترويع.
فمثلا، رسائل قطع الرؤس الوحشية، التي تميز بها تنظيم داعش، توقع لها الكثيرون، ومنهم بعض زعماء القاعدة التقليديين، أن تكون سببا في خسارة الكثير من "الشعبية" المرجوة. لذلك انتقدوها بشدة. إلا أنها كانت على العكس دليل "مصداقية" بالنسبة لكثير من المتعاطفين والمتطرفين الحالمين بـ "دولة" لطالما صورها لهم تنظيم القاعدة نفسه منذ زمن بعيد بكثير من الطوباوية دون أن يحقق لهم منها شيئا على أرض الواقع. فما كان من تنظيم داعش إلا أن قطف هذا الحلم (الذي ترددت القاعدة حوله كثيرا) بإعلان "دولة الخلافة". وبقدر ما أثارت هذه الخطوة سخرية الكثيرين. إلا أنها، في المقابل داعبت أشواق "الحالمين" وأثارت الكثير من الحنين المتطرف الذي كان ينتظر مثل هذه اللحظة لينفجر في وجه القاعدة وزعمائها التقليديين. لتتسارع المبايعات من قبل الكثير من الجماعات والأفراد. فحلم الأمة الواحدة أصبح حقيقة.
وبالعودة للأمر "التكتيكي" فإن أسلوب الكر والفر الذي كانت تتبناه القاعدة لم يكن هو السبيل الأمثل لإقناع المريدين الجدد على ما يبدو، مقارنة بأسلوب "داعش" الذي يركز كثيرا على السيطرة على أي مساحة جغرافية بغض النظر عن حجمها. ثم المسارعة في تطبيق الأحكام "الشرعية" و"الحدود" إضافة لتسيير المؤسسات الخدمية، وإقامة حتى الأنشطة الترفيهية للأسر والأطفال. في منظر عام يوحي بوجود "دولة" وإن كانت في ظل الحرب وأتونها. جو عام، قد لا يكون هو الغاية التي كان ينتظرها قاطنو المدن المحكومة من قبل داعش. والذين ثاروا على نظام جائر ليحصدوا ما هو أكثر جورا. ولكنه بالتأكيد يحمل الكثير من الرسائل المباشرة وغير المباشرة، لمن يحلمون ويتوقون لـ "الهجرة". بحسب ما يعتقدونه من أدبيات تحرضهم على سرعة الفرار بالنفس وبالدين. فكان لداعش ما أرادت حيث فاق استقطابها، من الناحية الكمية والنوعية، كل من سبقها وكل ما هو متوقع، فتنوع الجنسيات والمبايعات الجماعية والأعداد الفردية في صفوفها ملحوظ.
وهو "التنوع" الذي استطاعت أن تلعب داعش على وتره بشكل جيد دعائيا. فحرصها أخيرا على أن يكون قاتل الصحافيين الغربيين، فولي وسوتلوف، يحمل جنسية غربية ويجيد اللكنة الإنجليزية بالقدر ذاته الذي يجيده أي مواطن غربي عاش وترعرع في تلك البلاد. فيه الكثير من مضامين التهديد والإرهاب التي تقول للغرب نحن أقرب لكم، اليوم، حتى من طائرات 11 سبتمبر. وهو ما دفع أوباما لاعتبار هذا الفعل بمقام هجمة إرهابية في داخل الأراضي الأمريكية.
الخلاصة، أن داعش "ثورة" أكثر تطرفا على المفاهيم التقليدية للقاعدة وزعمائها. ولا يمكن القضاء عليها فقط نتيجة لخبرة سابقة في القضاء على القاعدة. والأهم لا يمكن القضاء عليها بتجاهل أسباب نشأتها ونفوذها لدى المعجبين بها، والكامن في الأراضي السورية. فبينما "قاعدة سورية" لوقت قريب كانت تراهن على الحاضن الشعبي السني، من خلال مراعاتها لأفراد القرى والمدن التي تسيطر عليها، خوفا من "عقدة الصحوات" التي ورثتها عن تجربة العراق وما تزال تلازمها. فإن داعش لا تقيم وزنا إلا لرجالها ومصالحها ( البترول والفِدى والأتاوات) لمزيد من الاستقطاب. لذلك تراهن فقط على الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي، موقنة بأن "شعبية الخارج" وما توفره من استقطاب أهم بكثير من "شعبية الداخل". وهذا ما يرشحها، بالضرورة، لكثير من التحالفات والاختراقات في الوقت ذاته.
يبقى أنه لا يجب أن نستغرب، في ظل هذه الظروف المختلطة والسياسات المترددة دوليا، إذا ما بدأت القاعدة في تقديم نفسها باعتبارها الخيار الإسلامي الوسطي والمعتدل، مقابل تطرف داعش ووحشيتها. وهنا لا يبقى إلا الحاجة لقليل من الذاكرة الدولية "القصيرة". إضافة لدعم الولايات المتحدة، ممثلة في الرئيس أوباما ومستشاريه لشؤون الشرق الأوسط "الجديد" لتسويق هذا "النموذج القاعدي المعتدل" لنعود من حيث بدأنا.

الأكثر قراءة