الأمير عبد المجيد .. أستاذ الإدارة المحلية
التقيت الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ـ رحمه الله - لأول مرة قبل أكثر من 20 عامًا في دار معالي الأستاذ إياد بن أمين مدني وزير الثقافة والإعلام، حينما كان مديرًا عامًّا لمؤسسة عكاظ، وكان الصديق الأستاذ إياد مدني قد اغتنم فرصة وجود صديقه وحبيبه الأمير عبد المجيد في جدة ودعا أصدقاءه والمقربين منه إلى حفل عشاء على شرف الأمير عبد المجيد، وكان سموه وقتذاك أميرًا لمنطقة تبوك، وكانت مشاريع التنمية المحلية في تبوك تعلو على غيرها من مناطق المملكة الأخرى بعد أن كانت تنام في سبات عميق.
ومن الطبيعي أن يتمحور الحديث مع الأمير المحتفى به حول العصا السحرية التي حرك بها مشاريع المياه الراكدة في منطقة تبوك، لقد انطلق الأمير في تبوك كالقطار السريع الذي يتوقف عند كل محطة في كل المدن والقرى والهجر ويضع بصمات التنمية والبناء في كل الأنحاء ويرتفع بها إلى أعالي الجبال حتى يجعل المدرسة والمصح والمياه متاحة لكل مواطن، أو كما قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في جولته الأخيرة إلى الشمال إنه لا توجد منطقة من الدرجة الأولى ومنطقة من الدرجة الثانية، فالمناطق كلها واحدة تفترش أرض هذه المملكة الزاهرة. وكان الأمير – رحمه الله - يتحدث في إفاضة غامرة، فقد عشق المنطقة وأهلها وآلى على نفسه أن يصنع نهضة لا قِبَل للمنطقة بها، ويومذاك أحسست وهو يتحدث عن برامج التنمية المحلية أنه أستاذ ضليع في علم الإدارة المحلية، قال – رحمه الله - وهو يتحدث عن دور الدولة في التنمية المحلية: إن الدولة خادمة وليست حاكمة، أي على الدولة واجب القيام بخدمة المجتمعات وليس فقط عليها واجب حراستها، والدولة بهذا المفهوم ينبغي أن تشبع حاجات المواطنين وتطلعاتهم وأن تسعى جاهدة إلى المزيد من رخاء المجتمع ورفاهيته.
وقال - رحمه الله: إن نظم الإدارة المحلية في المملكة تعود إلى عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي بادر في إنشاء أول نظام إداري محلي في تاريخ الدولة الإسلامية حينما كلف الرسول، صلى الله عليه وسلم، مجموعة من القيادات المشهود لها بالمهارة وحسن التصرف في ميادين الحكم والإدارة بمهمات في الشؤون المحلية للولايات الإسلامية، وأصبحت هذه القاعدة الإدارية هي السائدة في الإمارات على المدن والبلدان التي تم فتحها في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقد أسند حكم كل قبيلة أو مدينة إلى واحد من شخصياتها المرموقة، حيث جعل حكم مكة إلى عتاب بن أسيد، وفرض له راتبا على عمله، وباشر مهام عمله حينما حج بالمسلمين سنة 9هـ، كما أسند رئاسة ثقيف إلى عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنًّا، وذلك لأنه كان حريصًا على تعلم القرآن والتفقه في الإسلام، وعيّن فروة بن مسيلك المرادي على قبيلة مراد وما حولها من القبائل كزبيد ومذحج، وجعل صرد بن عبد الله الأزدي أميرًا على من أسلم من قومه، ثم كلفه بمجاهدة من يليه من المشركين في اليمن، كما يتضح ذلك في إمارات البحرين والأحساء وقبائل كندة وعبد القيس وهمدان وغيرهما.
ولكن إعجابي بثقافة الأمير الإدارية والقيادية ازدادت حينما استمعت إليه وهو يواصل الحديث عن الفرق بين الشورى والديمقراطية، وكان وقتذاك مجلس الشورى قد بدأ يباشر أعماله بعد تشكيلاته في عام 1992 وكانت الشورى في مجالس المنطقة حديث الناس، وتحدث الأمير عبد المجيد – رحمه الله – عن الشورى في الحكم المحلي وميزها عن الديمقراطية الغربية.
وبعد أن استمعنا إلى هذا العرض التاريخي الرائع من الأمير عبد المجيد - رحمه الله - عن الإدارات المحلية قلت في نفسي: لماذا لم يحتل الأمير عبد المجيد وظيفة رسمية قبل تأميره على منطقة تبوك.
بعد هذا النجاح الهائل الذي حققه الأمير عبد المجيد ـ رحمه الله - في تبوك لم نستغرب أن يصدر أمر ملكي بتعيينه أميرًا على منطقة المدينة المنورة، وتزامن هذا التعيين مع طرح مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد لتوسعة المسجد النبوي الشريف وتطوير المساجد الأثرية في منطقة المدينة المنورة.
ولأن الرجل الناجح هو ناجح في كل المواقع .. استطاع الأمير عبد المجيد أن يثبت أنه أهل للثقة الملكية الكريمة، واستطاع أن يسرع في معدلات تنفيذ المشروع وكل مشاريع منطقة المدينة المنورة.
وبسبب هذا النجاح الكبير صدرت في عام 1990م إرادة ملكية، بتعيينه أميرًا على منطقة مكة المكرمة، ومنذ اللحظة التي باشر فيها عمله التف حوله أهل المنطقة يحدوهم الأمل في أنه سيحقق للمنطقة نهضة جديدة، يتطلع إليها كل مواطني المنطقة، وكان الأمير عبد المجيد ـ رحمه الله - يؤمن بديمقراطية التنمية وحدد مساء يوم الأحد من كل أسبوع موعدا لمجلسه المفتوح يستقبل فيه أهالي المنطقة من كل الشرائح ويستمع إلى آرائهم وشكاواهم ومقترحاتهم، وكنت واحدًا ممن كانوا يرتادون مجلس الأمير عبد المجيد مساء كل أحد، وكنا بعد الحديث نتناول معه طعام العشاء ثم تتواصل الأحاديث، ولكن كان الأمير يستمع أكثر مما يتحدث، وكان ينصت لكل صاحب اقتراح ثم يدير أحاديث الناس بديمقراطية عالية، بل لنقل بشورية عالية ويطرح المقترحات على الجميع وإذا أحس أن هناك إجماعًا يباشر بالتنفيذ الفوري، أي أن الأمير عبد المجيد كان يؤمن بالنظرية والتطبيق في الإدارة ولا شك أن مجلسا كهذا لا بد أن تطرح فيه بعد المشاكل الإنسانية وكان سموه حريصًا على إعطاء المشاكل الإنسانية قصب السبق ويصدر قراراته الفورية بالتنفيذ السريع، أما أهم المشاريع التي كان يتغنى بتنفيذها فهي مشاريع توسعة المسجد الحرام في مكة المكرمة وبالذات مشروع جبل عمر ومشروع الشامية، وكان يقول بصوت مرتفع "يا جماعة حنا محظوظين لأن الله شرفنا بخدمة بيته الحرام، حنا لازم نفرح بهذا التكليف ونتشرف به ونخلص له، لأنه تكليف من عند رب العباد لخدمة أطهر بقاع الأرض"، وكان يؤكد أن "الحاج ضيف عند الله فيجب أن نعامله جميعًا كضيف حقيقي يدخل بيوتنا ويبحث عن الراحة والسعادة كي يؤدي المشاعر في يسر، ويجب أن نثبت أننا أهل لهذا التكليف الإلهي الذي شرفنا الله به".
اللهم اجعل خير ما قام به الأمير عبد المجيد في موازين حسناته، واغفر له وأدخله فسيح جنانك.