المجاميع الثقافية السعودية مصابة بداء «التسييس»

المجاميع الثقافية السعودية مصابة بداء «التسييس»
المجاميع الثقافية السعودية مصابة بداء «التسييس»

يوسف الديني حفظ القرآن ودرس العلوم الشرعية منذ الصغر واقترب من التيارات الدينية في السعودية منذ منتصف الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات ليستثمر ذلك في دراسته المتأخرة للعلوم السياسية وعمله ككاتب وباحث منذ 1998 وتأثيره فيما سمي آنذاك بـ “التيار التنويري”، ليعود ويكون أحد أهم الأسماء في شرح فلسفة الإرهاب والعنف المسلح وليُعرف في نطاق بحثي واسع مع صعود نجم الإسلام السياسي، شارك في ورشة بحثية عن مستقبل الحركات الإسلامية بدعوة من معهد كارنيجي للسلام، كما شارك كباحث ضيف في مناقشة رسالة الدكتوراة “زمن الصحوة” لستيفان لاكروا وحضر العديد من الورش والمؤتمرات ذات العلاقة، وكتب عدة أبحاث: نشر منها: الحاكمية في فكر الحركات الإسلامية، رماح الصحائف .. السلفية الألبانية، القاعدة في اليمن - محمد سرور .. سيرة منقوصة، - معسكرات القاعدة الإنترنتية (إعلام القاعدة)، - مفهوم الطائفية دراسة، - دراسة عن فكر جودت سعيد (مفهوم اللاعنف)، - الإخوان في السعودية، التنويريين الإسلاميين في الخليج. نستضيفه في لقاء سريع في رؤية بانورامية لجغرافيا الإرهاب ما بعد “الربيع العربي”، ومحاولة فهم مشهد معقد ومتعدد الأطراف.

العام الرابع للربيع العربي، وازدهار للحركات الإرهابية سنية وشيعية، وصعود لافت لجماعات الإسلام السياسي وأبرزها الإخوان المسلمون، ثم تقهقر لافت وموقف شعبي يضع في السجون بعضهم ويلاحق بعضهم الآخر.. كيف تلخص لنا هذا المشهد.. كبداية؟

هذه قصّة جديرة بالتأمل، الانتقال من صفوف المعارضة المستحيلة تحت الظل العالي للأنظمة العربية المركزية إلى سدة الحكم فجأة من دون مقدمات أو صيرورة تاريخية متدرجة، وأجدر بالتأمل على مستوى التيارات الإرهابية والانتقال من مجموعات منبوذة مرصودة أمنياً إلى حقل وسلطة سياسية مستقلة بل دولة داخل الدولة كما هو الحال منذ زمن بعيد لحزب الله والحوثيين وصولاً إلى شباب الصومال والقاعدة في جزيرة العرب، وغيرها يطرح العديد من الأسئلة دون إجابات حاسمة. ابتسم كثيراً للمقالات الوثوقية في تفسير لحظة الربيع العربي منذ حدوثه وحتى الآن، من الصعب جداً اكتشاف لحظة البوعزيزي إلى وائل غنيم .. إلخ خارج سياقاتها السياسية والظروف المحيطة والدعم من دول مناوئة وأيضاً التحول لدى الإسلام السياسي والجهاديين من شيطنة الولايات المتحدة إلى التحالف معها من قبل الإسلام السياسي والإخوان وصولاً إلى الاستقواء بالغرب والمنظمات الحقوقية وعدم التعرض من قبل الإرهابيين الذين تحولوا من قتال العدو البعيد إلى العدو القريب الأنظمة العربية، هذا التحول الاستراتيجي أربك المحللين العرب إلى الحد الذي اجترحوا فيه خطيئة اتهام الغرب بالتبني بسبب هذه المعطيات، هناك نظرة حالمة ومثالية لدور الغرب حتى من ألد أعدائه حين لا يتدخل مباشرة في نزاعاتنا طويلة الأجل التي لا يمكن ردها إلى أسباب سياسية محضة، بل هي في مجملها نزاعات سياسية دينية مختلطة يتقافز أبطالها بين الحقلين لأسباب تسويقية للفكرة الشمولية الأيديولوجية. التقصير في قراءة الأصولية بشكل كلي وتفصيلي هو ما أدى إلى هذه الانتقائية المخجلة لدينا في فهم التطرف لا أقول من قبل الإحيائيين والاحتجاجيين وأجيال الشباب الجديدة التي تفتح وعيها على مقدمات الثورة، بل حتى عند مفكرين لديهم نقد جذري للغرب وللأصولية في آن واحد. لك أن تتخيل أن قامة بحجم أدونيس يرى في 11 سبتمبر وتفجير البرجين لوحة إبداعية، أو حسن حنفي الذي يقول:

في قلب كل عربي أسامة صغير! وبينهما صفوف طويلة من أتباع "بن لكن" كما أطلق عليهم الزميل مأمون فندي وهم يعتبرون الإرهاب كرتا سياسيا وليس معضلة دينية واجتماعية كبرى ستقتلع الأخضر واليابس لكل المشاريع الإصلاحية. فتسييس الإرهاب عبر حقنه بمضامين سياسية ومحاولة إحراج الأنظمة، قلت غير ما مرة لأصدقاء الأمس الإسلاميين إنكم تدفعون أتباعكم حتى المعتدلين إلى التطرف، لأن الأنظمة في كل العصور تتراجع إلى المربع الأمني متى ما شعرت بالتهديد وبالتالي لا يمكن إلا أن تتعثر مشاريع الإصلاح في الداخل على حساب الاستقرار الذي لا يكترث كثيراً بالتنظير السياسي الذهني، وأزعم أن مشاريع فريق الليبراليين العرب والإسلام السياسي لم يتجاوز عتبات التنظير الذهني لمعضلة تتصل بأن أبحاثنا "نصوصية". ما يحدث في المشهد العربي استبدال لابن تيمية بكل حمولاته التاريخية مع واقع مختلف كالتتار إلى فولتير والمشهد الفرنسي أو في أفضل الأحوال جرّ أسماء مشرقية.

ما سمي "الربيع العربي" كانت أشبه بالموجة الاحتجاجية لحشود بلا رأس، تلقفتها نخب الشباب الجديد المنحاز للثورة التقنية ثم سلمتها إلى الإسلام السياسي، لم يكن البوعزيزي أو وائل غنيم بل بسبب انسداد الحالة السياسية واقتناص لحظة "تخلّق" الفوضى وهي لحظة غير عقلانية لا يمكن قياسها أو مراقبتها أو حتى مقارنتها بلحظات تاريخية فارقة، الأكيد أن هناك سمات عامة للدول المؤهلة للربيع (غير الملكية) بسبب انفصال القاعدة الجماهيرية عن النظام السياسي وليس لمستوى الأداء فالقمع والإفقار والانفراد بالسلطة لم يكن على درجة واحدة في دول الربيع، كما أن سقوط مبارك السريع على سبيل المثال في ظل بقاء بشار إلى الآن يطرح أسئلة بلا إجابة ناجزة وجاهزة. رافعة الربيع هو الإعلام الجديد كما أن الثورة على الربيع كانت برافعة الإعلام الحكومي كما هو الحال في مصر وبسبب تردي الأداء السياسي من كل الأطراف وانكشاف سر الإسلام السياسي للانفراد بالحكم وتأسيس شمولية دينية بلغة وأدوات ديمقراطية بعد أن كانت دول كثيرة تشهد ديمقراطية مستترة باستبداد الحاكم الفرد لكنها لم تنهار وتلك قصة أخرى.

هل حماس نافذة الإخوان الأخيرة على المشهد؟

حماس منقسمة إلى جناحين أساسيين الجناح السياسي المستلب إيرانياً وإقليمياً وحماس الجناح العسكري على الأرض، والذي تحاول المصالحة بين مفهوم الدولة المعلّقة ومفهوم المقاومة الذي يمر بتحولات معقدة وصارخة تجعله يتجه نحو التسييس بدلاً من الفعالية التحررية الشعبية، فهناك حسابات طويلة، وقرار إعلان الحرب والهدنة لا تملكه القيادة السياسية لحماس وحدها ولا المرشد بل هو نتيجة حصيلة تحالف إقليمي أشبه بالمقامرة على دماء الشعب الفلسطيني. بالنسبة للإخوان وعلاقتهم بحماس فتلك قصّة طويلة تتشابه بين المركز والأطراف في المكونات السياسية العربية إيران وحزب الله والحوثيين، الإخوان وحماس وحزب النهضة، فهناك اجتهاد محلي في حدود السياسات الداخلية، وهناك خطوط حمراء فيما يخص أي تماس مع دول إقليمية، هذا الارتباك في الهوية السياسية من جهة والعمل على الأرض ينعكس على قرارات حماس، سياسياً حماس تستفيد كثيراً من عدالة القضية الفلسطينية لكنها تخفق كثيراً في التماسك الداخلي. لنستبعد كل الأطراف الفلسطينية، لو فقط فتحنا ملف علاقة حماس بالجماعات السلفية داخل القطاع فإننا نكاد نقترب من حرب داخلية تشبه ما يحدث بين القاعدة وداعش مع الفارق طبعاً، فهي حروب على الكعكة المجتمعية وليس الأهداف السياسية العامة وهذا ما لا يفهمه أدعياء الأمة الخالدة الواحدة، العروبيون والإسلامويون.

لم تستطع حماس التخلص من "شغب" المعارضة الذي يظل ملازماً عادة لكل الحركات السياسية التي تنتقل من الضفة الأخرى لتجد نفسها أمام واقعية "السلطة"، لكن الأكيد أن البيئة الدولية والمناخ السياسي العام لم يكن مهيئاً لهضم "حماس"، فالولايات المتحدة أصرت على رفض التعامل معها وإبقاء وسم "المنظمة الإرهابية" عليها من دون الاكتراث بالإرادة الشعبية التي أوصلتها وذلك الذي أعاد التساؤل حول التعامل مع الديمقراطية كأداة محايدة وليست كمفهوم موجه يستلزم حداً أدنى من التوافق السياسي مع المناخ العام، وهو الأمر الذي يصر عدد من معارضي الولايات المتحدة والغرب من التيارات القومية والإسلاموية على تجاهله، معتبرين أن مجرد الفوز في سباق الانتخابات كفيل بحصد "كأس" الشرعية السياسية.

على مستوى الحركات الجهادية، كيف لمّعت القاعدة بدايات الربيع، وتراجعت لصالح بريق نجم داعش؟

هناك أوهام كبيرة فيما يخص القاعدة والحركات الجهادية بدءاً من توصيفها ومنحها أبعادا سياسية تجرّها بعيدا عن مشروعها الانقلابي العقائدي الشمولي المتطرف، وأول هذه الأوهام ثنائية الاتصال والانفصال ما بين هذه الجماعات، دعاة الاتصال وهم غالباً أصحاب قراءة سطحية ومبتسرة واحتقارية للتيار الجهادي إما باعتبارها امتداداً متطوراً لحركات الخوارج التاريخية أو صنيعة جهات خرجت عنها أنظمة بحد ذاتها أو حتى الولايات المتحدة وإسرائيل، والعنف المسلح نتاج لتركيبة معقدة عقائدية اجتماعية مفاهيمية بالدرجة الأولى طرأت عليها تحولات سياسية لاحقاً، والقاعديون وأشباههم ليسوا كائنات سياسية براغماتية، وإنما هم وقود سياسات وحروب الآخرين القذرة.

أحد هذه الأوهام أن هذا التذرر والانقسام والاقتتال بين التيارات المسلحة الجهادية حدث بسبب انفصال جسدها عن باقي الحركات الإسلامية وأيضاً بسبب غياب كبار العلماء كل يسمي "علماءه الكبار"، وهذا غير صحيح بالمرة فمنذ الثمانينيات وأنا قريب حد الالتصاق بهذه المجموعات ونتاجها، فتكفير مثلاً هيئة كبار العلماء السعودية أو شيخنا الراحل ابن باز كان أكثر موضوع يتم تداوله في حقبة الجهاد الأفغاني في الثمانينيات التي توصف بالمعتدلة عادة مقارنة بداعش. "الكواشف الجلية للمقدسي" أكثر كتاب تداوله شبابنا في معسكرات القتال وفي مطبخ بيشاور الاقتتال الذي كان بين الأحزاب السبعة وجميل الرحمن وذهب فيه وقود من شبابنا المنحازين لهذا الطرف أو ذاك لم يولد الآن مع داعش، حتى انقسامات القاعدة كانت مبكرة لكن الفرق أنها كانت "حواراً داخلياً" كما هو الحال في الانقسامات في الضفاف الأخرى "الإسلام السياسي" وحركات الإحياء وأهل الحديث والسلفيين والمتصوفة .. إلخ.

الوهم الآخر محاولات تفسير الإرهاب بأدوات سياسية فقط، وتضخيم تأثيرات القاعدة وأخواتها بينما بدأت القاعدة إخوانياً ثم تأثرت بالسلفية الجهادية التي نشأت مبكراً وانفصلت عن باقي الجسد الإسلامي في العمل، ثم مرت بتحولات كثيرة وعميقة (هناك خمسة تحولات لمسار العنف المسلح السني أفغانستان، القواعد المحلية، استهداف الداخل ما قبل 11 سبتمبر، التسيس للعنف المسلح، وأخيراً البحث عن مشروع دولة وليس مجرد دور "النصرة" كما هو الحال الآن مع داعش). طبعاً الفروق جوهرية وكثيرة بين مختلف التيارات لكن الجذر الفكري والغائي واحد، الجميع يستخدم النصوص والمصطلحات والأفكار ذاتها لكن لصالحه، والجميع يسعى لاستعادة الخلافة كل بحسب غلوه وكل بحسب الفرص المتاحة في الواقع.

إطلالة سعودية على الربيع العربي

اتخذت الرياض مواقف حاسمة من الفوضى التي عمت بلدان الربيع العربي، وركزت على دعم الاستقرار وأبرز هذه الحالات مصر. ماذا لو لم تتحمل الرياض مسؤوليتها الإقليمية والأخلاقية تجاه القاهرة؟

العقلانية السعودية السياسية بدأت في استشعار مكمن الخطر بسبب الخبرة الطويلة مع الإرهاب، لك أن تتخيل أن المملكة أكثر دولة تضررت من الإرهاب وقدمت الكثير من التضحيات لمحاربته، وأعلى قيادة الهرم السياسي (الملك عبد الله) منذ عشر سنوات وهو يكرر أن المعركة مع الإرهاب والتطرف طويلة. في بدايات الربيع العربي كان شعار المملكة هو أنها تقف مع الشعوب في تقرير مصيرها، لكن الانحراف المبكر في مسار الثورة واختطافها وتردي الأوضاع السياسية والانفراد بالمشهد ودخول أطراف إقليمية للعب أدوار إسقاط الدول وما سبق ذلك من تحول في استقطاب الولايات المتحدة للإسلام السياسي على سبيل التجريب والاستبدال، كل ذلك ساهم في انضاج الموقف السياسي السعودي وكانت لحظة البحرين صفارة الإنذار للدبلوماسية السعودية لأن تخرج عن صمتها، النجاح السعودي في دعم الاستقرار المصري كلف الكثير سياسياً كما هو الحال في قرار حرب الخليج الأولى لكن مما ساهم في صعود محور الاعتدال رداءة أداء الإسلام السياسي غير المتوقعة والاندفاع نحو محور إيران، وهناك الكثير من المعلومات الخطيرة عن تحالفات مشبوهة كانت تحاك في الخفاء لاستهداف أمن الخليج، وما قيل عن دعم استقرار مصر وباقي دول الربيع العربي تجلى في إدارة ملف اليمن بنجاح كبير رغم الصعوبات الآن التي تعيد المشهد اليمني إلى حافة الغليان. لكن أن تتخيل منذ بدايات الربيع العربي كم من الأقلام تسارعت في مباركة اللحظة باعتبارها مفارقة تاريخية والآن لو رصدت لك عدد المتباكين على أوضاع ما قبل الربيع وعلى حد تعبير أحد أصدقائي الماركسيين اليمنيين الذي كان نحلة نشطة مع حزب الإصلاح اليمني مبرراً أن الإسلام السياسي خير من الديكتاتور ليخبرني قبل أيام أنه لو أمكنه تقبيل حذاء صالح لتعود الأوضاع لفعل! (يمكنك رصد العشرات من ردود الأفعال المتشنجة في بداية الربيع وبعد تردي الأوضاع) وهو ما يدل على عقلنا السياسي العربي طوباوي ومتعال على لعبة السياسة القذرة.

السعودية حافظت على عقلانيتها طول الخط، أشادت باحترام رغبة الشعوب، جرّمت القاعدة وأخواتها وفي نفس الوقت لم تسقط ولو لمرة في فخ الاستقطاب الطائفي، دعمت الجيش اللبناني حشدت حزب الله والقاعدة وداعش في ذات المربع، وقفت مع العراق في أكثر فترات هجوم المالكي عليها، وأخيراً ترفض أي تقسيمات سياسية طائفية، وفي الوقت ذاته الذي حمّلت فيه المجتمع الدولي مسؤوليته الأخلاقية في سورية. هذه المواقف يجمعها خيط واحد وهو دعم استقرار ورفاه المنطقة والشراكة المسؤولة مع جميع الأطراف.

يتم الحديث عادة صحافياً عن تنازع "دولة المركز" بين دول عربية تشكل محور الاعتدال 2 وهي السعودية ومصر الإمارات، على المقلب الآخر هناك رأي يرى في هذا المحور نواة لمفهوم قائم على تحالفات دول الاستقرار مع غياب المركزيات في أدائها السياسي الحديث. إلى أي النظرتين تميل، أو ربما تضيف نظرة ثالثة؟

أعتقد أنه تحالف قائم على قيم أساسية صنعتها الظروف المحيطة عشر سنوات، الدول ذات الطابع التنموي واقتصادات السوق الحديثة عادة أسرع في تغيير استراتيجياتها من الجماعات والأحزاب السياسية المؤدلجة المصابة بتخمة النظريات والمواقف التي بحاجة إلى "ثبات"، من هنا برز محور الاعتدال بقوة بسبب أنه حصيلة واقعية سياسية صرفة قائمة على التحالف على مبدأ الأصلح للبلاد والعباد، هناك تحديات كبيرة تواجهه ولا سيما أن دولاً كالأردن والمغرب مثخنة بمعارضات مؤدلجة ضاغطة، كما أن تذبذب العلاقات مع الولايات المتحدة في نسختها الأوبامية ألقى بظلاله على هذا المحور، كما أن الدور السياسي شاق جداً ومكلف وطويل المدى. القصة تبدأ عن المحور التدميري الذي تقوده إيران إلى خلخلة الأنظمة عبر المعارضات وهو الدور ذاته الذي تلعبه أطراف صغيرة. محور الاعتدال بقيادة السعودية يواجه معضلات إعادة ترتيب البيوت السياسية بعد الاستقرار بأعبائها العسكرية والاقتصادية، محور الاعتدال يواجه كيانات السياسة الخارجة على منطق الدولة، ويشمل ذلك حزب الله من جهة والمجموعات المسلحة التي قد تنجرف إلى غايات أبعد من إسقاط الأنظمة إلى بناء الدول كداعش، محور الاعتدال عليه عبء ما بعد الاستهداف العسكري للإرهاب، فأسلوب الوجبات السريعة والطائرات بلا طيار ومجمل سلوك الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب أورث المنطقة دولا منهكة مفتتة قابلة للانفجار، محاولة صناعة الاستقرار في حقول الألغام أمر أشبه بالمعجزة.

في السياسة علينا أن نفتش دائما عن المصالح الإقليمية وليس الداخلية، وبحسب عبارة جون كينيدي الشهيرة فإن "السياسة الداخلية قد تخذلنا ليس إلا، أما السياسة الخارجية فبإمكانها قتلنا"، وطبقا لهذه المعادلة السياسية فإن من المهم على محور الاعتدال الخليجي - المصري الآن بعد سقوط "الإخوان" وخروجهم الذي يبدو طويلا من المشهد، التفكير في مسارات الحسابات الإقليمية.

مع بدايات فجر ما اصطلح عليه "الربيع العربي" حدثت حالة شتات ثقافي وحقوقي في السعودية وظهرت مجموعات وتراجعت مجموعات وتشظت أخرى. هل أنتجت ظلال الربيع العربي حالة ثقافية مختلفة أو غير متوقعة محلياً؟

التحولات على مستوى الخطاب الثقافي لا يمكن أن تكون وليدة لحظة "الربيع" العابرة 3 سنوات، هذه المجموعات كان لديها منذ نشأتها خطابان مضمر وظاهر، ما حدث أن الربيع والثورة التقنية أخرجت حديث وأمنيات الأقبية واللقاءات الخاصة والمؤتمرات الحزبية إلى العلن، في السابق كنت تقرأ عن مخططات جماعة ما عبر مناشير سرية الآن يمكن أن تتابع ذلك وأن تشرب قهوتك. ما نعانيه للأسف بدأ مع نشأة الدول العربية القُطرية عبر أيديولجيات مستنبتة كاليسار والقومية وحتى الإسلام السياسي هو قول جديد سياسياً وإن كان يزعم الامتداد التاريخي، فموقفه من الحاكمية مثلا أقرب إلى الفكر الشيعي الإمامي منه إلى السني الذي أعلن الجويني منذ القرن الرابع أنها مسألة فرعية اجتهادية لا ترتقي للعقائد، إلى أن جاء المودودي ولاحقاً ألقت الثورة الخمينية بظلالها على المشهد السياسي الإسلاموي، مشكلة النشطاء السنة والشيعة من حقوقيين وناشطين سياسيين بين قوسين وهم أنهم أصحاب نظريات لا علاقة لها بالواقع الحقيقي ولا الافتراضي، لو حذفت عشرات الأسماء الرابضة في تويتر لرأيت السعودية بشكل مختلف كما أنك لو أضفتهم إلى جانب عشرات أخرى من كل التيار لتوقعت أن ثورة حنين المزعومة قد حدثت فعلاً.

ما أعنيه، أن هذه المجموعات مصابة بداء "التسييس" بدءا من تصورها المغلوط لثلاثية الدولة الحكومة النظام السياسي وعلاقة ذلك بالمجتمع، هذه المجموعات طورت نفسها سياسياً لكنها لا تنطلق من نظرية ورؤية متماسكة صالحة حتى لأن تكون معارضة سياسية بالمعنى الحديث. هناك تضخم لكل ما هو سياسي على حساب ما هو فكري وفلسفي وثقافي وفني وترفيهي من اليوتيوب إلى تويتر إلى السينما والمسلسلات، وحتى الأدب نجد طغيانا سياسيا من دون ثقافة سياسية حقيقية نابعة من خبرات وأحزاب وبرامج. الجيد في المشهد السعودي أنه موّار وخلاق بالكثير من الجدل والنقد والفعالية وهذا يساهم بأن يعلو صوت العقلاء دائماً من كل الأطراف متى توقفت حرب المفرقعات السياسية، لكن على الأنظمة العربية عموماً والخليج التفكير في خطط اندماج واحتواء طويلة المدى ثقافية واجتماعية لكي لا تتكرر حالة الاختطاف التي مارسها الإسلام السياسي لعقود ولكي لا نصحو فجأة ونجد أننا بإزاء كيانات سياسية متغلغلة في العمق الاجتماعي بشعارات دينية وإصلاحية.
#2#
المشاحنات الطائفية بين حين وآخر بين السنة والشيعة السعوديين، مأزقها الحقيقي ثقافي أم ديني أم سياسي؟

مسألة الطائفية أسهل الطرق لبدء النزاع، وأكثرها عرقلة لأي خطاب وطني حقيقي، الأزمة ليست دينية أو عقائدية، فحالة النفي والطرد إجراء طبيعي لأي فكرة وثوقية مرتبطة بسياق تاريخي معقد ومتعدد التفسيرات، كان من الأجدى بقاء الدرس المذهبي العقائدي داخل المدارس الفكرية لكن خروجه من بطون الكتب وسطورها إلى شوارع العراق وسورية وسابقا باكستان.. إلخ يعني إعادة إنتاج للطائفية بنسخة سياسية جديدة، وهو ما يعني غياب تشريعات قانونية ، والمطالبة الواقعية لا تكون بالوحدة أو بتعميم الرأي الواحد وإنما بالتعايش وفق إطار قانوني محدد وواضح، من المعيب جداً أن يتعايش السنة والشيعة في أمريكا بحكم القانون دون أن يجرؤ أحد على استخدام أسلوب النفي رغم المناوشات الطبيعية لكنهم يحزون الرؤوس ويفخخون الأجساد في بلاد الإسلام. هناك أزمة إسلامية كبرى على مستوى خطاب التسامح ما لم تحل، فكل ما نشهده من توترات العنف الملتحف برداء ديني ستلازمنا طويلاً، هذه قضية لا وسط فيها إما أن نعيش معاً أو نموت جميعا.

مراكز الدراسات

كتبت تحت مقالة بعنوان "إرهاب الهويات القلقة" في صحيفة الشرق الأوسط ما نصه "نحن أمام موجة جديدة من "الإرهاب"، وأيضا أمام خطاب جديد من تبنيه والتعاطف معه. أحداث بوسطن كشفت عن وجه جديد من التطرف الفكري، وهو بالمناسبة ليس بالضرورة تطرفا دينيا". كباحث متخصص في فلسفة الحركات الإرهابية، ما نواة التطرف إذن؟

نواة التطرف خطاب دوغمائي، حالة نفسية قابلة للاستلاب والاستقطاب تبدأ بالتجنيد وتنتهي بالاقتناع بالانتحار في سبيل الفكرة المسيطرة، وجود بؤر توتر ومناطق صالحة لتكاثر مجتمعات متطرفة. للأسف الخلايا النائمة الأوروبية كشفت عن بعد جديد في الإرهاب، وهو انتفاء الادعاء التسيّسي الذي يطلقه عادة معادو الأنظمة من أن الإرهاب ردة فعل على الاستبداد السياسي حصراً، بحيث لو تم تسليم مقاليد السلطة لهم لاختفى الإرهاب، هناك مجموعات متطرفة في لندن وبروكسل وضواحي باريس تعيش أرقى أسلوب حياة يجعل العديد من شهداء الزوارق المهاجرة يضحون بأرواحهم للحصول عليها ومع ذلك ينخرط شباب أوروبي متفوق دراسياً وناجح عملياً في مجموعات قتالية، وحين تقرأ سيرهم الذاتية تكتشف أن الدافع الوحيد هو "الفكرة العنفية المسيطرة" لا شيء عدا ذلك تماماً.

اهتمت مراكز الدراسات الأوروبية تحديداً بالقراءة السوسيولوجية للمنطقة والسعودية بدءا من أحداث 11 سبتمبر. لنأخذ مدرسة جيل كيبل كمثال، كون باحثيها الأذيع صيتاً في المنطقة، مثل ستيفان لاكروا وتوماس هيجهامر. كيف تقيم دراساتهم عن المنطقة، من وجهة نظرك كباحث متخصص محلي؟

كنت وما زلت أميل إلى الأسلوب الأوروبي وتحديداً الألماني - الفرنسي في قراءة ظاهرة الإرهاب، حضرت كباحث ضيف مناقشة الدكتوراة للصديق ستيفان وكانت بعنوان: الثورة الإسلاموية الفاشلة في السعودية (حرفت إلى زمن الصحوة لأسباب أخرى) واكتشفت أنها تجربة مثيرة قابلة للاستنساخ، قام بها البروفيسور الكبير جيل كيبل الذي أعاد الكفة إلى الدراسات الجادة بحكم أنه أقرب إلى التيار الليبرالي اليميني وهو أكثر جدية في قراءته من التيار اليساري الذي سبقه وتزعمته شخصيات أخرى منها أوليفيه روا وتلامذته، ومريم أبو الذهب .. إلخ الذين تأثروا بشكل غير موضوعي بالحركات الأصولية باعتبارها صوت الجنوب الثائر واستبدال بن لادن بتشي جيفارا. جيل كيبل أطلق مشروعه في لحظة تاريخية بعد إعدام سيد قطب وكتب دراسته عن الإسلام السياسي مبكراً في النبي والفرعون والفتنة والقاعدة في النص، ثم أنشأت الكويت كرسياً بحثياً في معهد العلوم السياسية الذي يرأسه وكانت ثمرته عشرات البحوث والطلاب المهتمين بالخليج، بالطبع أطروحة ستيفان عن فشل الصحوة وتوماس هيجهامر عن القاعدة في السعودية كانت الأشهر بحكم موضوعاتها. لكن هناك العشرات من الدراسات الأخرى المتميزة عن قضايا الشباب والمرأة ومقارنة الملكيات العربية.

يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من التيارات البحثية الغربية، وكل واحد منها لديه سلبيات وإيجابيات، ما يميز مدرسة جيل كيبل هو أن الأبحاث تنطلق من لقاءات ميدانية عادة تتجاوز الطريقة الأمريكية التي تستهدف ما يسمى بالخطاب السائد حيث تقابل سياسيين ومعارضة وأطراف حاضرة وفاعلة، لكن الطريقة الأوروبية تحاول فهم ما يحدث من خلال لقاءات للبُنى الاجتماعية التحتية، ومن الظلم أن نتحدث عن الطريقة العربية النظرية التي لا تعدو أن تكون في أحسن حالاتها تعليقات وشروحات على مراجع ونصوص وربما استبانات محدودة، الطالب الأوروبي ملزم بنظرية بحثية متماسكة أكثر من الحشد والمناقشة النظرية. بالطبع هناك تيارات صحفية غير بحثية أيضاً ساهمت في إنعاش المشهد، لكن إشكالية الزملاء الباحثين الغربيين أنهم لديهم إكليشهات مسبقة عن الحالة الخليجية بحكم غموضها، وتساهم انتقائية العلاقات العامة والارتجال في لقاءات الباحثين في تعميقها، ولذلك بات من السهل أن تقول كل الأطراف : قل لي من التقيت أقل لك ماذا ستكتب.

ما الذي ينقص مراكز الدراسات العربية في هذه المرحلة، وما وزنها الحالي؟

مراكز الدراسات العربية أنواع كثيرة، هناك مراكز حكومية بيوقراطية عادة ما تكون لديها مواد خام رائعة لكن تنقصها كوادر مؤهلة للتحليل والفحص وتحويل الأبحاث إلى برامج إنمائية واستشارات ومنتجات ثقافية جديدة، وهناك مراكز البرستيج الثقافي التي عادة ما تكون تحالفا بين أثرياء ورؤوس أموال وبين شخصيات ذات طابع العلاقات العامة، وهناك مراكز تحاول أن تكون جادة لكن نقص الخبرة والإمكانات وغياب التمويل أو عدم شفافيته يجعلها تعيش مأزق الشرعية، وهناك حالة انفصال بين هذه المراكز التي تريد أن تكون مستقلة وبين الجهات الرقابية والسيادية وهو أمر متفهم حيث تقلق الأخيرة من المراكز بينما المفترض أن تكون العلاقات طبيعية مبنية على الشراكة وفي الهواء الطلق. لك أن تتخيل أن أمنية أي باحث غربي أن تتوّج دراسته التي قد تستمر 20 عاماً ليس بوظيفة أكاديمية كان بإمكانه الحصول عليها في سنوات وإنما بتأثير حقيقي فيما يخص أمن بلاده، وليس سراً مثلاً أن الصديق توماس هيجهامر بسبب أطروحته المتفوقة يعمل في وزارة الدفاع في النرويج وساهم في تقدم فهم هذا البلد المسالم لحالة الإرهاب المستعصية على التفهم.

الأكثر قراءة