رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المواطن والسكن: إذا كان يمكن الحصول على القرض، فأين هي الأرض؟!

نشطت في الفترة الأخيرة الأفكار التي تتحدث عن توفير قروض للمواطنين لامتلاك مساكن، فها هي بعض المؤسسات والأفراد والشركات تعلن عن نيتها وضع برامج لتمويل إقامة المساكن، وأهم ما أعلن، عزم المؤسسة العامة للتقاعد منح قروض تراوح بين 150 ألفا ومليون ريال لمن يرغب من موظفي القطاع العام والمتقاعدين، مقابل اقتطاع نسبة من الراتب، وقبل ذلك، كان هناك صندوق التنمية العقارية الذي بدأ برامجه قبل أكثر من ثلاثة عقود، كأكبر منشأة تقدم قروضا ميسّرة للمواطنين يجري إسقاط جزء منها كحافز على الانتظام في السداد، وقبل ذلك كله، كانت هناك محاولات مستترة من جانب بعض البنوك للاستثمار في مجال تمويل المساكن، التفافا على نظام مراقبة البنوك الذي يحظر عليها امتلاك العقار والاستثمار فيه، مما جعلها تلجأ إلى تسجيل العقارات التي تمولّها بأسماء شخصية أو شركات من الباطن..!
ورغم وجود كل هذه الفرص، فلا يزال هناك 80 في المائة من المواطنين لا يملكون سكنا، حسبما أعلن من إحصائيات، ومعظم من لا يملكون سكنا لا يملكونه بسبب صعوبة الحصول على أرض صالحة لإقامة السكن، والقليل منهم الذي يملك أرضا، يملكها في مكان لا يصلح للرحلات وعبور السيارات، ناهيك عن السكن! حيث اعتادت البلديات، لكي تتخلص من إلحاح المواطنين، أن تخطط أسوأ وأبعد مكان لا يتوافر فيه شيء من مقومات الإقامة كمنح للمواطنين، في الوقت الذي يتم فيه تطبيق منح الكبار في أفضل مكان، وكأنه غائب عنها أن منحة واحدة منها تكفي لآلاف المواطنين!
هذا يحدث ونحن نفتخر بأننا أول بلد يطبق الشريعة الإسلامية التي بُنيت على العدل ورعاية حق المواطن، ونحن أكبر بلد مالك وبائع للذهب الأسود (البترول)، ومساعداتنا عمت معظم شعوب الأرض، ونحن أكبر بلد في المنطقة من حيث المساحة من الأراضي المنبسطة! ومع ذلك يضيق عن توفير ما يتسع لإسكان مواطنيه!
يقول خبر نشر في الصحف المحلية يوم 8/4/1428هـ إن الجهات الأمنية تدخلت لتفريق خمسة آلاف مواطن تجمعوا في اليوم السابق أمام بوابة بلدية محافظة الجبيل، على أثر ظهور شائعة عن فتح باب التقدم للحصول على منح سكنية، مما اضطر إدارة البلدية إلى إغلاق أبوابها دونهم، ورفع لافتات على المدخل تنفي وجود شيء! وقبل ذلك حصل تجمل أكبر أمام بعض البلديات، ليس من أجل الحصول على منحة، بل من أجل الاسترحام لقبول طلب بذلك، وكأنه يحرم على المواطن التقدم إلى حكومته بأي طلب! حتى لو لم تأت المنحة إلا بعد عقود، وحتى لو كانت لا تساوي أكثر من خمسة آلاف ريال، بالضبط مثلما اضطر المواطنون في مدن أخرى إلى بيعها بثمن مماثل بعد أن انتظروا عقودا، ووجدوا أن من المستحيل توفير مقومات السكن فيها من المرافق والخدمات، والشواهد كثيرة من حولنا على منح وزعت قبل عقدين وأكثر، ومع ذلك لا تزال تصفر فيها الرياح من غير أي مرافق!
أما الأراضي الصالحة للسكن، فيستحيل على المواطن العادي امتلاكها بعد أن وصلت أسعارها إلى مستويات خيالية، والسبب لا يخفى فمعظم الأراضي منشؤها منح كبيرة لأشخاص متنفذين يغالون في قيمتها، ثم تنتقل إلى أيدي فئة يرفعون سعرها أضعافا بحجة التطوير، والحقيقة أن المتأمل يقف حائرا أمام ارتفاع أسعار الأراضي السكنية غير المبرر في المدن، والذي هو ليس من قلة، بل من طمع وجشع!
أما صندوق التنمية العقارية، فلا أحد يتجاهل الدور الذي أداه في توفير السكن لمن يملك أرضا، بيد أنه لا يستطيع مواجهة الزحف الهائل من طلبات الإقراض في بلد يتكون معظم سكانه من الشباب المؤهلين للحصول على القرض، فضلا عما يواجهه من مصاعب بسبب التأخر في التسديد، والعجز عنه أحيانا بسبب ما أصاب الناس من تضاؤل دخولهم، وانكماش الطبقة الوسطى في المجتمع، بالتالي، ويكفي أن نعرف من تقارير الصندوق السنوية التي تقدم إلى مجلس الشورى، تأسيسا على معدل الطلبات وحجم الإقراض، أن انتظار القرض سيمتد إلى عقود وليس سنوات، قد تنتهي خلالها حياة المواطن قبل أن يصله القرض!
وهكذا يتبين لنا أن معظم المواطنين لا يملكون مساكن، ومعظمهم لا يملك أرضا، وبما أن الأرض هي المقوّم الأساس للسكن، فإن توفيرها ينبغي أن يأتي قبل التفكير في كيفية تمويل بنائها! لأنني أخشى ألا تجد جهات التمويل الإقبال الذي تنتظره، ثم يقال إنه لا توجد مشكلة تمويل، في حين أن المشكلة موجودة الآن أكثر من أي وقت مضى، لكن مشكلة وجود الأرض لدى المواطن هي المتفاقمة في الوقت الحاضر، حيث تمتنع البلديات حتى عن قبول الطلبات، ويذهب جل اهتمامها إلى توفير أراض لأغراض أخرى لا تخفى على الفطن.
إذا كنا ما زلنا نؤمن بأن من حق كل مواطن الحصول على قطعة أرض لسكنه، فينبغي التصرف وفقا لذلك، وأولى الخطوات أن تُكلف البلديات بفتح باب قبول طلبات المنح، وتكلف في الوقت ذاته بتخطيط وتطوير الأراضي الحكومية القريبة من المدن والقرى وتوزيعها بالعدل، ولا يقبل في ذلك التعلل بعدم وجود أراض حكومية، فبالنسبة للمحافظات والقرى هذه المشكلة غير موجودة، إذ تتوافر الأراضي الحكومية في كل الاتجاهات، أما في المدن الكبيرة فبالإمكان توفيرها من الأراضي التي ما زالت تملكها الأمانات، إضافية إلى تخطيط وإقامة ضواح في أطراف المدن على الأراضي الحكومية، وقبل ذلك كله يجري إيقاف المنح الأخرى من أي نوع، ولأي كان.
إن المشكلة كبيرة ومتفاقمة، وآثارها سيئة، وانعكاساتها على الوضع العام ستكون أسوأ في المستقبل، والحل لن يأتي مع تجاهلها والتهوين من شأنها، بل في الاعتراف بها، والبحث عن مخرج!

والله من وراء القصد

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي