قوانين.. مع وقف التنفيذ..!
ثمة مشكلة كبيرة تقف سدا منيعا وعقبة كؤودا في وجه التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، وهي تعطيل القانون أو عدم تنفيذه في كثير من مناحي الحياة، خاصة فيما يرتبط بتقنين المعاملات التجارية بين الناس. ولذا سادت ثقافة في المجتمع ظاهرها الرحمة والتسامح والتعاون وباطنها ضياع الحقوق والظلم والإثم والعدوان، هي ثقافة "تصالحوا!!". "تصالحوا" تكون حاضرة وبقوة عندما يخل أحد الطرفين بالاتفاق فيقع على أحدهما ظلم كبير وخسارة مادية ومعنوية عظيمة ومن أول جلسة في المحكمة يطلقها القاضي صريحة مدوية " تصالحوا"! وهكذا استخف الناس برعاية الحقوق فيما بينهم وتساهل المسئولون عن تنفيذها ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا، وما علموا أن "تصالحوا" هذه تطبق بغير وجه حق وفي غير موضعها ودون أن تحقق المقصد الأساس من المصالحة بين الناس. لا شك أن الإصلاح بين الناس أمر عظيم وسنة حميدة وخلق كريم يؤدي إلى تماسك المجتمع وتقوية لحمته وتحقيق الألفة وإشاعة معاني الرحمة والمحبة والتقليل من الآثار الجانبية التي تقع بين الناس حينما يتعاملون مع بعضهم البعض فينتج عن ذلك الاحتكاك أخطاء عفوية خارجة عن الإرادة ذات تأثيرات بسيطة تتطلب العفو والصفح والسماح. إلا أن هناك أخطاء كبيرة يتعمد أصحابها سلب حقوق الآخرين وحيازة ما ليس لهم والتسلط على الآخرين دون هوادة. وقد يظن القارئ الكريم أنني بذلك اقصد أصحاب النفوذ والمال والجاه ولو كان كذلك لكان الأمر مفهوما ومبررا وواضحا في أن البعض أغراهم جبروتهم فطغوا وتكبروا وأساءوا استخدام نفوذهم وقدرتهم على لي القانون لصالحهم في التعدي وأخذ ما ليس لهم، ألا أن المصيبة العظمى والطامة الكبرى أن ذلك قد استشرى واستفحل بين عموم الناس حتى بين الأقل حظا في المجتمع، وكأنما ليس هناك قانون يقنن التعامل بين الناس ويردع البعض عن الاعتداء على الحقوق وسلب الممتلكات ظلما وبهتانا. إن عدم تطبيق القانون أدى إلى فراغ قانوني شجع البعض على الجشع واستخدام أسلوب المماطلة بحجة "تصالحوا" معتمدين على استعطاف الآخرين واللعب على إثارة مشاعرهم الإنسانية والقيم الدينية والاجتماعية. لقد أصبح الناس من مسئولين وعموم يرون في تطبيق القانون الذي أساسه الموضوعية والحيادية والعدل والإنصاف، أمراً مجحفاً جافاً يفتقد الحس الإنساني ولا يراعي بعين العطف والمشاعر والقيم الحالات التي يمتنع فيها البعض عن أداء الحقوق للآخرين! لقد أوجد هذا الوضع صغارا متكبرين! وضعافا متجبرين! ومساكين أصحاب جاه! لا يكترثون لأمر القانون ولا يحسبون له حسابا لأن حالتهم فوق القانون! أو خارجه! أو في محيط انعدام الجاذبية القانونية! فساء تعاملهم واستغلوا الوضع لصالحهم ليأخذوا ما ليس لهم أو أن يشاطروا الناس أشياءهم، ومن أمن العقوبة أساء الأدب. إن هناك الكثير من الحالات والأوضاع خارج القانون أصبح فيها الظالم مظلوما وتحول صاحب الحق إلى مستجد تحت رحمة المغتصبين لملكه. كل ذلك بسبب ثقافة "تصالحوا"! وعدم الرغبة في تنفيذ القوانين بطريقة تحفظ لجميع الأطراف حقوقهم دون تمييز طرف على حساب الآخر.
من بين أهم القضايا وأشهرها قضايا حقوق المستهلكين وحقوق ملاك العقارات المستأجرة. فالمستهلكون تضيع حقوقهم بسبب عدم تطبيق معايير الجودة، خاصة فيما يتعلق بالصحة والسلامة، وعدم ضمان بعض المهنيين والصناع والتجار جودة سلعهم وخدماتهم لمدة محددة، وبالتالي صعوبة مقاضاتهم، فيلجأ الجميع إلى مبدأ "تصالحوا"! أما في العقار فقد أصبح المستأجر سيد الموقف بل السيد الآمر الناهي لا يخشى في القانون لومة لائم! فيضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات والقوانين التي تلزمه بإخلاء المكان ويمتنع حتى عن الحديث مع صاحب العقار! لأنه يعلم علم اليقين أن ليس هناك قانون سيطبق وان هذه المطالبات لا تتعدى كونها حبرا على ورق. وحتى في حال قرر صاحب الملك أن يرفع دعوى قضائية على المستأجر الذي امتنع عن إخلاء العقار مع انتهاء مدة العقد، يعلم أن القضية ستطول بعدد الجلسات وتنصلات المُدعَى عليه ليصل في نهاية المطاف في أن يسمع من القاضي.. "تصالحوا"! ولذلك يفضل الكثيرون من أصحاب الحقوق أن يختصروا الوقت والجهد والمال ويقولوا بملء أفواههم ومن عند أنفسهم دون أن ينتظروا القاضي ليقولها " تصالحوا"! فيهرعون إلى المستأجر يقدمون له الإغراءات والحوافز والترجي والاستجداء والإذعان ولربما بحثوا عمن يتوسط لديه حتى يتنازل ويتكرم ويتعطف ويترك المبنى! ولن أتحدث عن الإجراءات العجيبة الغريبة التي يُلزم فيها المُدعِي إحضار المُدعَى عليه للجهة الرسمية! مع أن المواطن العادي لا يملك سلطة الإجبار!
يا للعجب، أين القانون؟! كيف يحدث ذلك دون أن يكون هناك تحرك نحو ضبط الأمور. لأنه بدون تطبيق القانون لن تكون هناك تنمية ونمو اقتصادي ودون النمو الاقتصادي سيكون هناك إرهاب وجريمة وبطالة وفقر! لم يعد بالإمكان في ظل الظروف والمتغيرات أن نظل على النهج ذاته عندما كان سكان المدن قليلين يسود التلاحم والتراحم بينهم في مجتمعاتهم الصغيرة، فكانت أخلاقهم وقيمهم تردعهم من داخل أنفسهم عن التعدي على الحقوق مخلصين لله يراقبونه ويحذرون الوقوع في المحرمات. لقد تحولت الأوضاع وتبدلت الحياة وأصبحت المجتمعات معقدة كبيرة مكتظة بالسكان وصارت المصالح المادية الشخصية تسيطر على تصرفات وسلوكيات الناس وتسيرهم وافتقدوا الإحساس بالآخرين وتخلى البعض عن الأخلاق والقيم في سبيل الحصول على الأشياء بأي طريقة كانت بل بسعة دائرة القانون الوهمي إلى ما لا نهاية. فأصبحوا يصولون ويجولون دون رادع قانوني، أو قيم دينية، أو ضمير حي يمنعهم من التعدي والإجحاف بحق الآخرين.
إن القضية لا تنحصر على مستوى الخسارة الشخصية بل هناك خسارة اجتماعية كبيرة تطول المجتمع برمته وتؤدي إلى خلق بيئة اقتصادية غير صحية يحجم فيها المستثمرون عن الاستثمار في بعض المشاريع الحيوية أو أن يقرر المستثمرون توجيه استثماراتهم خارج الاقتصاد الوطني، وهكذا يبطئ نمو الاقتصاد ويفرز مشاكل وأزمات ليس على المدى القصير وحسب وإنما على المدى الطويل أيضا. أن تطبيق القانون بكل حزم ودقة ودون هوادة هو الضامن الوحيد في الانضباط الاجتماعي وتطوير الاقتصاد والانتقال إلى مستويات أعلى من النضج الحضاري والرقي الاجتماعي. إن المشكل في تعطيل تنفيذ القانون هو ليس في الخسارة المباشرة التي تقع على المتظلم وإنما في الخسائر غير المباشرة التي لا تحسب ضمن التكاليف مثل ضياع الوقت والفرص الاستثمارية والجهد والخسارة المعنوية. إن حساسية القانون لحقوق الأفراد متطلب أساس في هذه المرحلة الحاسمة من حياة الوطن، إذ من شأن ذلك زيادة الولاء والشعور الوطني وبعث الاطمئنان وزرع الثقة وجعل كل فرد ملتزم بأداء دوره في عملية التنمية بانتظام ووضوح لما يجب عمله؟ ومتى؟ وكيف؟ وهكذا نقضي على ثقافة "تصالحوا" والتراخي في تطبيق القانون وما ينتج عنه من تلاعب في حقوق الآخرين. وأحسب أن هيئة محاربة الفساد معنية في المقام الأول بالقضاء على هذه الظاهرة من خلال الحرص على تنفيذ القانون، لأنه ببساطة القانون دون تطبيق لن يكون قانونا. هذا التحول الاجتماعي الثقافي في احترام القانون لن يكون سهلا لأن الناس لم تعتد تطبيق القانون وتفتقد الحس القانوني وكل فرد يود أن يمشي فوق العباد. فهذه الطوابير في الأماكن العامة لا تحترم قوانين المرور التي كأنما وضعت من أجل أن تخالف، وهكذا في مواقف أخرى هناك فوضى عارمة يختلط فيها الحابل بالنابل دون معرفة الناس ما لهم وما عليهم. لقد أصبح الناس يعشقون الفوضى ويكرهون الانتظام حتى بلغ بهم أن ينعتوا من يحترم النظام بالسذاجة! لقد ظن البعض خطأ أن تطبيق القانون يفقدهم المنافع ويقيد حرياتهم، هذا في ظاهر الأمر، أما في حقيقته فالعكس صحيح. فمتى ندرك أهمية تنفيذ القانون في كل الأمور ولا يعود هناك مجال لمن يقول: .. "تصالحوا"؟!