الجفاف العاطفي في بيوتنا .. وفراغ الشباب
لا شك أن بلادنا مستهدفة .. من قبل قوى الشر القريبة والبعيدة .. وهذا ليس بغريب (فكل ذي نعمة محسود) ولا يقتصر الاستهداف على العمليات الإرهابية فقط .. لكن إفساد العقيدة والأخلاق ونشر المخدرات أساس مهم لعملية الاستهداف .. ولقد شاهدت وسمعت مثل غيري من ملايين المشاهدين الأسبوع الماضي عبر قناة المجد الفضائية صوراً ومعلومات (يقف لها شعر الرأس ويقشعر لها البدن) .. حول ألعاب وأفلام الخيال الإلكتروني وما تحمله من تحريض على الانحلال والسرقة والمخدرات والعنف ضد الجميع وبخاصة ضد المدرسين ورجال الشرطة.
والأدهى والأعظم أن هذه الأفلام موجودة علناً في أسواقنا وتمتلئ بها بيوتنا ويتشبع بها أبناؤنا وبناتنا .. وتباع هذه الأشرطة بأرخص الأثمان وبسعر عشرة ريالات فقط، بينما في الغرب تباع الأشرطة المماثلة بأكثر من مائة وخمسين ريالاً وفق ضوابط وشروط تحد من تأثيرها على الصغار، والمدقق في مضمون تلك الأشرطة يجد أنها موجهة بشكل مباشر إلى الشباب لكي يعيد النظر في جميع المفاهيم والقيم ويلجأ إلى عكس تلك المفاهيم من الأعمال الإجرامية والعنف وجمع المال من أي مصدر كان!!
وبعد أن يشاهد المرء في هذه الأفلام إهانة الدين وممارسة الجنس وسرقة البنوك وبيع المخدرات والعنف ضد المدرسين ورجال الشرطة .. يتساءل هل من فسح هذه الألعاب لا يشعر بأي ذنب وبخاصة أنه مسلم ينتمي لهذه البلاد التي سيدمر شبابها هذا الداء الخطير؟ وينطبق هذه الكلام أيضاً على من يبيعها.. ويعتبر أرباحها مالاً لا حرمة فيه يطعم منه أبناءه ويبني به مستقبلهم.
ومع الدعوة إلى تحرك سريع لمنع هذه الأفلام الخطيرة لا بد أيضاً من إيجاد البديل، فشركات الإنتاج التلفزيوني السعودية كثيرة وقادرة وعليها مسؤولية إنتاج ألعاب بديلة.. وعلى الدولة أن تدعم مادياً هذا الإنتاج ليباع بأسعار مناسبة حتى يبدأ في تحقيق الأرباح.
وبعد الحديث عن الأفلام والألعاب الخطيرة تبقى الإشارة إلى الفراغ الذي يعانيه شبابنا .. وينقسم إلى نوعين.. أولهما الفراغ المادي .. المتمثل في عدم وجود دراسة أو عمل.. أما النوع الثاني وهو الأخطر في نظري فهو الفراغ المعنوي.. الناتج عن الجفاف العاطفي في بيوتنا .. فمن منا يجلس إلى أبنائه ويحدثهم ويتبادل الرأي معهم؟ ومن منا يطلب من أبنائه مرافقته في المناسبات .. وحتى في السفر إلى الخارج؟ القليل بل النادر من يفعل ذلك في هذا العصر الذي يلهث فيه الجميع وراء المادة .. ولا شيء غير ذلك.
ولإيجاد الحلول لهذه المشكلات التي تهدد الشباب وتدفعهم إلى الانحراف الفكري الخطير لا بد من إيجاد مركز متخصص ودائم يتبع أعلى سلطة لدراسة أحوال الشباب واقتراح الحلول السريعة لها.. ومن الحلول المقترحة إيجاد آلية لقبول جميع خريجي الثانوية في الجامعات سواء الحكومية أو الأهلية .. مهما كان المجموع .. وإنشاء (صندوق خيري) لإعانة غير القادرين على الانضمام للجامعات الأهلية، ذلك أن الحصول على الشهادة الجامعية سيكون تحصيناً لهم ـ بإذن الله ـ من الانحراف والانقياد وراء المروجين للفكر الخطير، حيث أعلن أن معظم المتورطين في تلك الأعمال ممن تراوح أعمارهم بين 16 و20 سنة.
ويبقى الجزء الثاني من معالجة الفراغ المادي وهو إيجاد وظائف ليس على نطاق محدود في القطاع الخاص وإنما في الدولة، وخصوصا الجيش والأمن بحيث يتم كل سنة استيعاب عشرات الآلاف ممن سدت في وجوههم سبل التوظيف حتى لو زادت بنود الرواتب في تلك الجهات على الاعتمادات، فالمسألة تتعلق بأمن البلاد.. وهو أمر يقدم على كل الأمور.
وأخيراً: هناك خطوة إضافية من السهل تنفيذها هي إيجاد ملاعب لكرة القدم في كل حي.. فالشباب لا تجمعهم إلا كرة القدم وليكن ذلك تحت نظر أهلهم في ملعب الحي بدل الاستراحات أو المقاهي المغلقة حتى لو نزعت ملكيات الأراضي لهذه الملاعب، ومهما كانت التكاليف.